الرئيسية | بأقلامكم | عصر الشبكة العنكبوتية

عصر الشبكة العنكبوتية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

مازن ح. عبّود

"تعلمنا بأننا لا نستطيع ان نعيش لوحدنا بسلام. انّ رفاهيتنا مرتبطة برفاهية دول بعيدة. تعلمنا بانّ علينا ان نعيش كأناس وليس كنعام او ككلاب في معلف. تعلمنا ان نكون مواطنين في العالم واعضاء في المجتمع الانساني. تعلمنا الحقيقية البسيطة التي تكلم عنها ايمرسون، فقال: " الطريقة الوحيدة كي تحظى بصديق هي ان تكون واحدا". الرئيس روزفلت

قرأت هذه الكلمات للرئيس روزفلت في مجلة السياسة الخارجية في عددها الاخير. فكان ان توقفت امام الرئيس روزفلت واقواله والولايات المتحدة الامريكية والعالم، الذي بدأ يعود الى التقوقع والانعزال. نظام عالمي يتداعى ونظام عالمي لم يبان، ولن يبن الا من رحم حروب قد لا تترك من العالم الا حفنة رماد. فالتحدي الكبير اليوم كما غدا هو عدم الانزلاق في حرب عالمية ثالثة. واننا لا نصنع شيئا كي نتفادى ذلك، بل نستدرج الى النهاية كأننا نسير كما كتب الى قدر رسم لنا.

العولمة والبيانات والشبكة العنكبوتية وحروب التضليل والاحتباس الحراري عوامل معطوفة الى غيرها، ادّت وتؤدي الى ضعضعة النظام العالمي القائم الذي نشأ بعيد الحرب العالمية الثانية، وها انّ مؤشرات عصر جديد غير مطمئنة بدأت تبان. صارت الشبكة العنكبوتية تؤثر في كل خياراتنا. وحولتنا من مستهلكي بضائع الى مستهلكي معطيات.

فمن يقدر ان يتسلل الى خصوصية الناس واسرارهم، يقدر بشكل مواز ان يصنع لهم معطيات مغلوطة. ويستطيع ان يضع في فيهم كلمات لم يقولوها. ويفبرك ما يشبه معطيات تسرب الى الرأي العام تؤثر به.

يتم تلقيم الرأي العام معلومات مغلوطة للحصول على نتائج مدروسة. فينجح هذا ويسقط ذلك.صرنا في حيرة. وما عادت قراراتنا احيانا جيدة لأنها مبنية على معطيات ليست بالضرورة صحيحة. من يقدر في هذا العصر التمييز بين ما هو سام وضار عما هو مفبرك، يستطيع حتما ان يتخذ قرارات صحيحة. صارت غالبية الشاشات الصغيرة ونشرات الاخبار والهواتف الذكية ووسائل التواصل لا تبث في غالبية الاحيان الا ما هو محبط ومقلق ومفزع. فزادت السوداوية والانتحار.

اضحت الشبكة العنكبوتية وحروب التضليل قادرة على اسقاط امبرطوريات احيانا والترويج للإرهاب والدماء احيانا اخرى. يسقط ملك، وينّصب آخر دون اطلاق طلقة نارية واحدة احيانا.

اضحى سهلا زرع الفتنة والتأثير على المنتخبين وزرع الشقاق. فقد دخلنا عصر البيانات، وعصر التحكم بالمعلومات، وفبركة المعلومات. فصار اتخاذ قراراتنا صعبا للغاية.

سقطت القضايا الكبرى جميعها. وحلّت محلها قضايا من صنع الشبكة العنكبوتية. فموضوع اعادة توزيع الثروات والعدالة صار اسير المقالات والكتب وترف الصالونات. فصارت الناس تصطف جماعات امام ابواب المحال لشراء منتج تكنولوجي، ولا تشارك في مظاهرة لنصرة حرية الرأي مثلا.

استفاقت القبلية والعنصرية في عصر القرية الكونية الصغيرة ووسائل التواصل بشكل ملحوظ ومخيف. حتى الكيانات العابرة للحدود والشعوب والحضارات، بدأت تتصدع وتخضع لقوانين القبائل والحدود. وتتأذى اذا ما رفضت الانصياع لقواعد العصر القائمة على السجود للوثن. فصارت موضة التحرر الجنسي الى حدود الحيوانية، مطلبا. صار الخروج عن الضوابط الناظمة للمجتمعات وانماط العيش التي لا تلائم الزاميا. يتم ضرب هذه الكيانات كي لا تبقى عائقا امام العصر. ويتم اسقاطها من الداخل بفعل انتهاكات اللاعبين. تسقط بموجب لعبة الضوء، بحيث انه يسلط على الجوانب المفزعة. ويحجب عن كل ما هو مشجع ومفرح. فتنفر الناس.

لعبة الضوء قادرة ان تجعل من الصرصور ديناصورا، ومن الديناصور صرصورا. ومن المعروف بأنّ الناس تتسابق كي ترسم صورا لها لا تتلاءم بالضرورة مع احجامها. تكبّر الصورة. فينتفخ صاحبها معها، الى حدود الطيران. وينفجر في الهواء بفعل النفخة المتزايدة. ومعه يسقط انموذج من نماذج محبيه.

دخلنا في عصر يعاني من نقص في النماذج الواقعية البطولية، ومن تخمة في النماذج الرقمية الوهمية.

يحصل كل هذا. والعالم يعود الى عصر النعام الذي يخبئ رأسه في الرمل كي لا يرى العاصفة من حوله، بل الى عصر الكهوف وعدم التعاون والتسابق حتى الابادة. نعود الى حالة ما قبل الثورة الزراعية، بفقدان الضوابط والنظم.

صرنا من كثرة وشدة خوفنا نقفل نوافذنا وابوابنا. ونعلن منازلنا عوالما. نريد لها ان تكون معزولة في عصر الاقتصادات المتصلة والتواصل والثورة الرقمية. مفزعة هي الفردية والقبلية في البلدان، والانعزالية على صعيد الدول.

قليلة جدا هي فسحات الراحة في هذا العالم. ونحن لا نريد ان نخسرها في غمرة العصر وذكائه الاصطناعي وسطوته وشبكاته العنكبوتية. والانسان لا يرتاح الا في من يحب وما يحب. وما نحبه اناس ونظم وانماط حياة وحضارة وحياة، سنبقى نناضل للحفاظ عليها. نقف في هذه الفسحات ونصلي ان يمد روح العالم عالمه بأبطال. ابطال يستطيعون كسر الواقع وتمزيق شرنقة التقوقع والفردية ويعيدون بناء مجتمعات بما يتوافق مع آمالهم. اعرف بانّ هذا اضحى صعبا لكنّه ليس بمستحيل. فمن حقنا ان نبقى نتأمل ببلد افضل وعالم افضل. عالم تكون فيه الشبكات والتكنولوجيات والذكاء الاصطناعي بخدمة الانسان. فلا يستعبد فيه الانسان انسانا. رجاؤنا ان لا تعود العبودية ولا يحتل التهميش الساحة. املنا بانّ الولايات المتحدة التي ولدت روزفلت ستلد مثله، ولو انّ وصول مثل هذه الطينة قد اضحى صعبا.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0