الرئيسية | بأقلامكم | سورية والرهان الخاسر على كل من يتاجر بوحدتها وقوة وحكمة شعبها

سورية والرهان الخاسر على كل من يتاجر بوحدتها وقوة وحكمة شعبها

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

د. جميل بغدادي

تتجه دول الاتحاد الأوروبي مرة أخرى إلى اعتماد لهجة التهديد باتخاذ المزيد من القرارات التي تنصب في فرض العقوبات الاقتصادية على العديد من المسؤولين السوريين في محاولة إجبار سورية الامتثال للإملاءات الخارجية وفي مقدمتها إلغاء تحالفها مع إيران الذي شكل ضربة قوية للغرب الذي أراد عزل إيران عن المحيط الذي تعيش به بعد سقوط حكم الشاه رضا بهلوي وإعلان الجمهورية الإسلامية في إيران بقيادة الإمام أية الله الخميني والذي شكل حينها منعطفاً خطيراً وزلزالاً عنيفاً ومباغتاً للمخططات الأمريكية التي كانت تعتمد على الشاه الإيراني المخلوع ليكون محركها وقبضتها الأساسية في المنطقة ومصدر الخطر الأكبر على دول الخليج المحيطة به . وكان موقف سورية المساند لإيران بعد إقصاء الشاه وإلغاء تحالفها مع أمريكا وإغلاق السفارة الإسرائيلية ووضع البعثة الفلسطينية بدلاً عنها ورفع العلم الفلسطيني وإعلانها صراحةً وقوفها إلى جانب العرب ضد إسرائيل سبباً أكبر في التحامل الغربي الذي صمودها الذي عبرت عنه علانية وليكون من ثوابتها ومبادئها الواضحة على مر السنين.

وقد أرادت أمريكا والدول الغربية معالجة الانقلاب الشعبي في إيران باللجوء إلى القوة العسكرية ، فاستغلت وجود الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين ليكون عصاها في المنطقة وليشن حرباً لا مبرر لها على إيران ، هذه الحرب التي أرهقت الشعبين وكبدت الدولتين عشرات الآلاف من القتلى والجرحى ، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية وما لحق البنية التحتية من خسائر . لقد أعلنت سورية ومنذ البداية أنها ضد هذه الحرب إيماناً منها بالتغيرات التي حدثت في إيران ، لأنها رأت أنه يتوجب على الدول العربية كسب إيران إلى جانبها وليس العكس . لقد حارب العراق إيران لسنوات بمساعدات مادية ضخمة من دول الخليج التي كان لها مشاكل أصلاً مع إيران وخاصة دولة الإمارات العربية التي تخضع جزرها الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى للاحتلال  . ولا أريد الحديث عن الأحداث التي وقعت في هذه الفترة ولكن موقف سورية المعارض للحرب جعل الدول الغربية تنقم على هذه السياسة التي رأت فيها عصياناً لأوامرها ورغباتها . وزاد من الغضب الأوروبي والأمريكي تعزيز العلاقات السورية الإيرانية في عهد الرئيس بشار الأسد ، بحيث أصبحت العلاقات بين البلدين أكثر إستراتيجية وعمقاً . ونقم الغرب على سورية مجدداً بسبب دعمه لحزب الله  اللبناني ووقوفه إلى جانب القضايا العادلة وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن أرضه وتحريرها من براثن الاحتلال  ، ووقوفها على وجه الخصوص مع حركة حماس في مواجهة المخططات الإسرائيلية ، واستضافتها للعديد من الفصائل الفلسطينية في العاصمة السورية . يضاف إليها موقف سورية الواضح من الاحتلال الإسرائيلي والرفض القاطع لعقد السلام معها حسب الشروط الأمريكية الإسرائيلية لأنها لا تحقق الثوابت السورية وفي مقدمتها إعادة الأراضي إلى أصحابها والتزام إسرائيل بالقرارات الدولية وانسحابها من كل شبر من الجولان السوري المحتل . وكانت ديناميكية الرئيس بشار الأسد وحنكته السياسية وشخصيته القوية سبباً مباشراً في تعزيز العلاقات مـع تركيا ، حيث تحولت إلى صديق للدول العربية ووقفت مع القضايا العربية العادلة ضد إسرائيل في المحافل الدولية رغم أنها كانت ترتبط مع الكيان باتفاقيات وتحالفات . كل ذلك كان من المنطقي أن يتحول إلى نقاط ضغط ضد النظام السوري وضد الرئيس السوري بشار الأسد . وعندما شهدت سورية انتفاضة للمعارضين في 15 آذار 2011  والتي تأثرت بما سبقها من انتفاضات ولكن ما يميز هذه التظاهرات أنها خرجت للمناداة بالحرية والديمقراطية ، ولم تخرج لتنادي بإسقاط النظام كما حدث في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن ، خرجت هذه التظاهرات لتعبر عن رغبتها بإحداث التغيير والمناداة بالإصلاح الذي يؤدي بالنتيجة إلى رفاهية المواطن في مختلف جوانب الحياة ، هذه المطالب التي أعرب الرئيس السوري بشار الأسد عن الاستجابة إليها لأنه وجدها حقاً للمواطنين فسارع بإصداره جملة من المراسيم والقرارات  التي تحقق الإصلاحات المنشودة ، ولكن الغرب المترقب والمتلهف لوقوع الأحداث في سورية سارع بدعم أقطاب المعارضة في الخارج ودعم المتظاهرين في الداخل لقلب النظام ، وبعد حوالي الشهرين  بدأ المتظاهرون وبدعم خارجي ينادون بإسقاط النظام . من هنا نجد أن هناك أصابع خفية تلعب في الخفاء لإحداث الوقيعة بين أبناء الشعب الواحد ، وتم عقد مؤتمرات للمعارضة بدعم خارجي من أجل تسريع وتيرة العمل بإسقاط النظام ، غير أن المؤتمرات الثلاث كان نصيبها الفشل الذريع في تحقيق الأهداف المرجوة ، وعندما تيقنت الولايات المتحدة عن عجزها في استثمار الجانب الخارجي من المعارضة سارعت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بالقول إن المعارضة في الداخل السوري وحدها كفيلة بإحداث التغيير ، وفي ذلك إشارة إلى الداخل السوري باستمرار التظاهرات وإلى عدم قدرة الغرب في التدخل المباشر في الشؤون السورية كما حدث في ليبيا بسبب مواقف روسيا الاتحادية والصين الشعبية  والعديد من الدول في مجلس الأمن ضد مشروع أي قرار يدين سورية.

نحن جميعاً في سورية ننادي بالديمقراطية والحرية والإصلاح والقضاء على الفساد ، نحن ضد العنف الذي نشهده سواءً من بعض أطياف المعارضة أو من قوات الجيش ، نحن مع الحوار الهادئ الرصين الذي يصغي بمحبة للآخر ، فالحوار وحده يعيد الأمور إلى طبيعتها ويفتح صفحة جديدة  في تاريخ سورية ، ولكننا في الواقع لا نرى أن الإصلاحات تأخذ طريقها نحو النور فعلى الرغم من المراسيم والقوانين الصادرة استجابة لدعوات المعارضة والتي وجدت فيها القيادة السورية حقاً عادلاً يستوجب تطبيقه على أرض الواقع ، غير أن التظاهرات لم تتوقف والمطالب والدعوات بإسقاط النظام لم تتوقف لأنها تعبير عن إرادة الخارج وليس عن إرادة الداخل المطالبة بالإصلاح . المعارضون لم يمنحوا القيادة السورية أية فرصة لترجمة الأقوال إلى أفعال ، لم يتوقفوا عن التظاهر ولجوء بعض المجموعات إلى الترويع والقتل . ولتحقيق المعادلة يجب على المعارضة إعطاء فرصة للحكومة لمعرفة هل ستتحقق الإصلاحات على أرض الواقع خلال الفترة القصيرة القادمة ، وفي حال توقف التظاهرات فلن يكون هناك أي مبرر للوجود العسكري في المدن ، وسنتسحب القوات إلى قواعدها ، وعندها فإن الجماعات المسلحة لن تجرؤ على الخروج إلى الشوارع ولن تجرؤ على إجبار أصحاب المحلات على إغلاق محلاتهم وإجبارهم بالتهديد على المشاركة في التظاهرات لأنها ستكون مكشوفةً للجميع ولا يمكن لأفرادها الإندساس بين صفوف المتظاهرين.

إن من يراهن على سلامة سورية ويتاجر بوحدتها وقوة شعبها وحكمته وحبه للوطن سيكون الخاسر الأكبر ، فقد أثبتت جميع المعطيات أن السوريين أقوياء باتحادهم وكشفهم لما يحاك للوطن من الخارج ، هم يدركون تماماً أن الغرب يتمنى ويشتهي أن يطبق قرارات الفصل السابع باللجوء إلى العمل العسكري ، لأن ذلك فقط سيشفي غليله من التمرد السوري  ولو أدى ذلك إلى دمار سورية وتقسيمها ، وهذا ما قامت به الدول الغربية في العراق ونشاهده اليوم في ليبيا ، وهذا ما لا يسمح السوريون في مطلق الأحوال لأنهم أصحاب القضية ، ولأنهم على اختلافهم يرفضون التدخل الخارجي ، إلا القليل منهم والذي يهمه القضاء على النظام ولو كان الهدف سلامة الوطن . والسبب المباشر في عدم تمكن الغرب من تحقيق أهدافه وقوف معظم أفراد الشعب في سورية مع الرئيس بشار الأسد وليس في موقف العداء منه كما هو الحال في الانتفاضات التي شهدتها تونس ومصر وليبيا واليمن ، وهذا ما يعبر عنه أيضاً أغلبية المتظاهرين من المعارضة ، صحيح أن البعض من المتظاهرين في مدن محددة طالبوا بإسقاط النظام ولكن ذلك جاء تلبية لدعوة من زعماء هذه المدن المتواجدين خارج الوطن ، والذين لديهم مواقف واضحة من الرئيس السوري والقيادة السورية لأنها كشفت أوراقهم واضطرتهم إلى الرحيل.

إننا نأسف كثيراً لاعتماد البعض من المعارضة السلاح والقمع والترويع وسيلةً لتحقيق ما لم تتمكن التظاهرات من تحقيقه ، نحن نرفض مثلما يرفض الكثيرون من المعارضة استخدام القوة ضد ثكنات الجيش في حمص أو سواها من المدن السورية ، مثلما نرفض استخدام القوة ضد المتظاهرين المسالمين ، نرفض أن يتم استهداف قطارات الركاب التي تضم المئات من المواطنين الأبرياء ، إن حادثة القطار تعيدنا بالذاكرة إلى الأحداث المؤسفة التي شهدتها سورية في الثمانينات من القرن الماضي ، نحن نرفض مبدأ إن لم تكن معنا فأنت ضدنا ، فسـورية لكل السوريين ، ونحن نريد سورية آمنة هادئة كي يعم الخير الوطن في جميع أرجائه ويشمل جميع فئاته ، لنعتمد لغة الحوار منهجاً لنا ، ولنبتعد عن التحريض والتهديد والوعيد التي ستعود على الوطن وأبناء الوطن بالخسائر الجسيمة.

نعم الرئيس الأسد يتمتع بشعبية كبيرة ليس في سورية وحسب بل في العديد من الدول العربية والعالمية ، ونستطيع إدراك محبة الشعب السوري من خلال المسيرات المؤيدة للرئيس الأسد والإصلاحات التي يقوم بها في مختلف أنحاء العالم ، هذه المسيرات التي تخرج من تلقاء ذاتها وليس بالإكراه كما يدعي البعض ، فمن غير المنطقي أن تجبر أشخاصاً سوريين يحملون جنسيات البلدان التي يعيشون فيها للخروج في مسيرات مؤيدة لبرنامج الإصلاح وللرئيس السوري بشار الأسد إذا لم يكن لديهم القناعة بذلك ، وإذا لم يحبوا الرئيس الأسد شـخصياً لأعماله ، فقد استطاع خلال العشر سنوات من توليه المنصب الرئاسي تحقيق نقلة نوعية بالغة الأهمية في سورية وفي كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والصحية والثقافية وسواها ، لقد تمكن من إنهاء الدين السوري للخارج ونحن اليوم لسنا مدينين ولا بقرش واحد للخارج ، تمكن من رفع ميزانية سورية من 42 مليار إلى 640 ملياراً ، رفع الحد الأدنى من الأجور من 3800 ليرة إلى 11500 ليرة ، فتح الجامعات الخاصة وأدخل البنوك الخاصة وسمح بتداول العملات الأجنبية بعد أن كان ذلك في السابق جريمة يحاسب عليها ، ساهم بتعزيز التقارب والتعايش والإخاء الديني بين جموع المواطنين السوريين ، أدخل الانترنيت إلى سورية ووسائل التقنيات الحديثة في وظائف الدولة ، شجع على بناء مصانع السيارات ، وافتتح دور جديدة لرعاية الأطفال والمسنين ، وساهم بإنشاء شبكة طرق جديدة من أنفاق وجسور ، واهتم بمساكن السكن الشبابي ، وزاد عدد المستشفيات العامة لاستقبال المرضى ومعالجتهم مجاناً ، وشجع شركات التأمين الصحي ، أليس كل ذلك كفيل بأن يحب السوريين رئيسهم . يمكنكم فقط في سورية شراء ربطة خبز بـ 15 ليرة بينما تكلفة الدولة 34 ليرة ، وهذا ما ينطبق على الكثير من المواد الأساسية ومنها ليتر المازوت بـ 15 ليرة بينما تكلفة الدولة 40 ليرة ، دراسة الأطفال في المدارس مجانية وشراء الكتاب المدرسي بـ 15 ليرة بينما تكلفة الدولة 42 ليرة ،  فقط في سورية تجد الجوامع متلاصقة مع الكنائس ، وتعرف أن شيخ الجامع يذهب ليهنئ الخوري بميلاد السيد المسيح أو بعيد الفصح ويخرج الخوري في جنازة المسلم مشيّعاً ويذهب بدوره مهنئاً الشيخ وجموع المصلين بأعياد الفطر والأضحى والسنة الهجرية . فقط في سورية يقوم المسلمون بزيارة كنيسة مارتقلا في دير صيدنايا ويقدّمون لها النذور ، ويقوم المسيحيّون بزيارة مقام السيّدة زينب ويقدّمون لها النذور . فقط في سورية تجلس لتناول غذاءك في مطعم ما وتشعر بالمفاجأة عندما تشاهد رئيس الجمهوريّة يجلس على المائدة المجاورة لك مع زوجته وأطفاله ودن أية مرافقة ، فقط في سورية يفاجأ الجمهور المسرحي بدخول الرئيس صالة المسرح ويجلس بين الحضور .  بقي سعر صرف الليرة السوريّة مستقراً بمواجهة العملات الأجنبية رغم الضغوطات الخارجية المتوالية منذ عدة عقود ، في سورية تجد أكثر من مليون فلسطيني مهجّر من أرضه يعامل معاملة السوري في جميع الحقوق والاختلاف الوحيد هو في الهويّة ، كما تجد أكثر من مليون ونصف المليون مهجّر عراقي لم يقطن أحد منهم في خيمة للأمم المتّحدة على الحدود وتجده يقاسم المواطن السوري رغيفه ومدرسته . فقط في سورية انطلقت ثورة سلميّة تنادي بمطالب شعبيّة داخليّة ولكن جميع قياداتها مقيمة في الخارج . فقط حول ما يخص سورية من أخبار تجد الفضائيات العربية تغطّي خبر انشقاق مجنّد واحد في جيش يضم أكثر من 50000 مجنّد وتجعله خبراً رئيسياً في محطات إعلامية كالعربية والجزيرة مدعومة بأموال هدفها تشويه الوقائع وتشويه سمعة سـورية في المحافل الدولية . والشيء بالشيء يذكر فقد ذكرت العربية يوم أمس أنه بعد صلاة الجمعة خرج أكثر من 400 ألف متظاهر في دير الزور ومثلهم في حمص طالبوا بإسقاط النظام ، وبعد أقل من دقيقتين ، تم وضع خبر عاجل على القناة نفسها نقلاً عن شهود حقوقيين أن عدد المتظاهرين في المدينتين تجاوز مليون و200 ألف متظاهر ، مما يعني حسب العربية أن أكثر من نصف سكان المدينتين خرجوا إلى الشوارع منددين بالنظام ، ولهذا أسال العربية أين قناتكم من مسيرات التأييد الحاشدة التي خرجت لتدعم الإصلاح في سورية والتي شهدتها حمص ودير الزور ، هل تم جلب المتظاهرين في هاتين المدينتين من مدن مجاورة ؟ لقد نقل التلفزيون التظاهرة التي حدثت في مدينة دير الزور وبينت الصور أن عدد المتظاهرين لا يتجاوز الألفين ، فأين الألفين من 600 ألف متظاهر ؟ ألا تعرفون كم يبلغ عدد سكان دير الزور ؟  أنتم تشاركون في تأجيج الرأي العام وزرع الفتنة وقلب الحقائق وإذا كان ذلك هدفكم فهذه مصيبة ، وإن كنتم لا تدرون ما تعملون فالمصيبة أعظم ، وستكون قناتكم وسواها من القنوات المأجورة هي الخاسر الأكبر عند نهاية الأزمة التي نأمل كسوريين أن تتحقق سريعاً.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0