الرئيسية | بأقلامكم | بعد سقوط الاصوليات فى ثورات الربيع العربي هل جاء وقت العلمانية ؟

بعد سقوط الاصوليات فى ثورات الربيع العربي هل جاء وقت العلمانية ؟

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فادي عيد

بعد أن خرج من رحم جماعة الاخوان المسلمون على مدار تسعون عاما منذ تأسيسها عشرات التنظيمات فى كل بقاع العالم الاسلامي والغربي أيضا، كانت تتمد فيه تلك التنظيمات مع مرور الوقت وتتسع رقعتها دون أن يستشعر منها الشارع العربي والاسلامي أي خطر، أو أن تضع عليها الدول الغربية أي ملاحظات، بات تتشكل الان تلك التنظيمات أكبر علامة استفهام لعقل المواطن العربي والمسلم، وباتت تشكل أكبر خطر على الانظمة الحاكمة وأكبر تحدي يواجه الاسلام فى العصر الحديث.

ففي خلال سنوات قليلة جدا بعد ثورات الربيع العربي 2011 خرج على الساحة مئات التنظيمات الاصولية سواء بسوريا او العراق او ليبيا وباقي دول المغرب العربي، وكلها خرجت من نفس العباءة الاولى الا وهي عباءة جماعة الاخوان المسلمون، حتى صار تنظيم الدولة الاسلامية بالعراق والشام المعروف بأسم "داعش" وتنظيم جبهة النصرة، هم أخر التنظيمات الاصولية الكبرى، بعد أن تحول القتال فيما بينهم.

فبعد اختراق تلك التنظيمات من اجهزة استخبارات أقليمية ودولية عدة بالاونة الاخيرة، بجانب نشأءة تلك التنظيمات أصلا على أيدي اجهزة استخبارات عالمية من البداية، جعل بعد فشلها العسكري وتخبطها السياسي وانهيارها الفكري تكون اخر التنظيمات الاصولية الكبرى التى يتوهم شبابنا المسلم أنها الفرق الناجية والانضمام لها كالذهاب للجنة الفاضلة.

وهنا وبعد أنهيار صورة تنظيمات كداعش وجبهة النصرة فى عقل الإسلاميون الراديكاليون، وما أصاب الفرد العادي من هزة فكرية، بعد ما شاهده من تناحر بين مشايخ ومنظري تلك التنظيمات، بات المشهد يطرح عدة اسئلة، وتلك ابرزها :

هل من تنظيمات اخرى غير التى ظهرت فى سوريا والعراق على غرار "داعش" سيتم صناعتها ؟

بما أن هناك من يدعم استمرار الفوضى فى الشرق الاوسط وتقسيم المقسم وتفتيت المفتت، وان خروج او انسحاب الامريكي من سوريا هو انسحاب تكتيكي، فى ظل استراتيجية طويلة ترمي لتعزيز التواجد العسكري والسياسي الامريكي فى العراق (الحلقة الرابطة بين ايران وسوريا) أكثر من الاول، وزيارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب المفاجئة لقاعدة الاسد الجوية العسكرية (غرب بغداد) كانت خير دليل ورسالة مبطنة من الدولة العميقة بالولايات المتحدة على ذلك.

وان خرج تنظيم جديد على غرار "داعش" فأين ستكون أرضه وما سيكون أسمه، هل سيذهب بنا صانع القرار الفعلي فى الولايات المتحدة الامريكية الدائر بين البنتاجون والاستخبارات المركزية والمجمع الصناعي العسكري الامريكي وليس رجل الاعمال الكائن بالبيت الابيض، فى تلك المرة الى جغرافية جديدة اقرب الى الصين وروسيا وعلى حدود ايران، بعد ان ذهب بنا فى الاولى الى سوريا والعراق ؟

وما سيكون أسم تلك التنظيمات حينها ؟
هل سيكون بأسم تنظيم "خراسان" بحكم الجغرافيا، وبعد أن أعلن داعش خلال اعلانه عن دولته مترامية الاطراف عن رغبته فى ضم أرض خراسان (إقليم قديم يشمل إيران وأفغانستان وبعض مناطق آسيا الوسطى).

أم سيكون بأسم تنظيم "القارعة" تأثرا بسورة القارعة، بسم الله الرحمن الرحيم
"الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث(4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ(6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)".

أي سيكون ذلك التنظيم هو تنظيم النهاية ويوم القيامة.

وما طرحناه فيما يخص أسم "القارعة" ليس مجرد طرح من خيالنا، ولكن هناك ما حدث بداخل الكواليس وشواهد جعلتنا أن نضع تلك الفرضية.

وأن كان المستهدف من تنظيم "داعش" واخواته هو سوريا والعراق واستنزاف حزب الله وايران، أي كل ما هو يهدد الامن القومي لدى دولة الاحتلال من جبهتها الشمالية، فهل تكون التنظيمات الجديدة لتوجيه الضربات المباشرة لمن تم استنزافهم فى الجولة الاولى، خاصة وأن هناك العديد من القيادات لتلك التنظيمات بسوريا أختفت من على الساحة فجاءة ودون أي مقدمات، ولا نعلم عنها أي خبر، والاهم هو ما يتم من تحشيد لتنظيمات اصولية سنية مناهضة لنظام الجمهورية الاسلامية بايران بالشهور الاخيرة، داخل الاراضي الباكستانية بالحدود الشرقية للدولة الايرانية، وهو ما ترتب عليه تنفيذ العديد من العمليات الارهابية التى اسقطت عشرات الجنود من حرس الحدود الايراني.

وأذا كان ما سبق هي أهم الاسئلة فيما يخص الشأن الاستراتيجي والسياسي، فعلى الصعيد الفكري المشهد يطرح علينا اسئلة عدة أيضا لا تقل أهمية، وتلك أبرزها :

هل حان الحراك الفكري العلماني الذى ظهر على أثر صعود تيار الاسلام السياسي ثم فشله، أن يتحول الى ثورة حقيقية كالتى ظهرت فى الغرب وعلى أثرها خرج الغرب من عصور التخلف والظلمات التى كانت فيه الكنيسة تحتكر كل شئ وتتحكم فى قرارات كل شئ سواء الديني أو الدنيوي، كي تعبر أوروبا الى عصور النور والنهضة والفكر.

فقد جائت ثورات الربيع العربي كي تحدث تصادم بين الحرية والدكتاتورية، بين الشعوب والانظمة الحاكمة، بين النسبي والمطلق أي بين  العلمانية والاصولية.

فأن كان اول تصادم بين الاصولية والعلمانية، وبين العقول الراكدة والفكر التنويري، وبين الجمود والديناميكية فى منطقة الشرق الاوسط، قد جاء خلال الحملة الفرنسية على مصر والشام (1798-1801م)، فالثورات العربية فى 2011 أحدثت صدام أشد عنفا بين العلمانية والاصولية فى مجتمعات تلك الدول، بعد ان ظهر تيار الاسلام السياسي على السطح، وظهر ما كان مستتر منه.

حتى أن انتقل الصدام بين العلمانية والاصولية من منابر المساجد والزوايا وبين داخل الاحزاب السياسية نفسها الى شاشات التلفزيون، كي يدخل المواطن الغير مسيس والغير مؤدلج الى تلك الدائرة.

فهل العلمانيون العرب والذى يأتى تحركهم فردي وليس جماعي على عكس الاسلاميون، سيحقق نجاحا ملموسا على الارض، وسيغير من نمط واسلوب تفكير العقل العربي؟
وكيف ستتعامل معهم الانظمة العربية الحاكمة ؟، هل ستستخدمهم  لمجرد ضرب تيار الاسلام السياسي فقط، أم سيتم دعمهم من أجل تكريس مجتمعات علمانية تخرج بلادنا من الدائرة المغلقة الذى ندور فيها ونعود من حيث بدأنا.

خلاصة القول الاعوام القليلة الماضية كانت كفيلة بأن تكشف لنا المستور عن أشد التنظيمات سرية فى العالم على مدار القرن الماضي، والاسابيع القليلة القادمة ستشهد استخراج شهادة ميلاد جديدة للشرق الاوسط.

نعم شرق أوسط جديد لن يكون كالشرق الذى طمحت له أدارة الرئيس الامريكي الاسبق باراك اوباما، التى كانت أول من يبشرنا بمصطلح "الفوضى الخلاقة" و "الشرق الاوسط الجديد"، وبتأكيد سيكون شرق مختلف تماما عما كان عليه الوضع بالمنطقة قبل عام 2011م، شرق سيكون مختلف سياسيا وعسكريا، ولكن تبقى المعضلة فى الفكر، ففى كل مرحلة جديدة بالمنطقة سواء كانت انكسار أو انتصار، كانت تحدث تغيرات جذرية اقتصاديا وعسكريا وسياسيا لبلادنا، ولكن فكريا كان يظل وضع الركود والجمود هو المستمر من مرحلة لاخري، حتى بات فرق التوقيت بين عقليتنا وعقلية الغرب مئات السنين الضوئية، فهل بتلك المرحلة القادمة التى ستشهد ولادة شرق أوسط جديد سنشهد معها تغير فى "العقل الجمعي العربي".

فادي عيد
الباحث والمحلل السياسي بشؤون الشرق الاوسط

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0