الرئيسية | الآخبار | المنية الضنية والجوار | من عهد الوصاية السورية إلى عهد وصاية السلاح

من عهد الوصاية السورية إلى عهد وصاية السلاح

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image النائب أحمد فتفت

فتفت: هكذا حاول ضباط المخابرات إبعادي عن الحريري

مسلسل حرب الإلغاء ضد الحريري 1998 ـ 2011

استعاد حكايات "النظام الأمني" والترغيب والترهيب.. والديناميت

فتفت: هكذا حاول ضباط المخابرات إبعادي عن الحريري

لم يكن النائب أحمد فتفت حتى آواخر العام 1998 مقرباً من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكن "الكيدية" التي مارسها النظام الأمني اللبناني - السوري بحقه وبحق الرئيس فؤاد السنيورة جعلته يتخذ قرار "اللاعودة" عن معارضة "سلطة الوصاية" التي كانت تسأل عنه كثيراً، لأنه بنظرها كان محسوباً على "الخط الوطني" قبل أن يمسي "خائناً وعميلاً لأميركا وإسرائيل" حين كان يعارض استبدادها "بكل جرأة".

لم يرض هو، ولا أهل الشمال، أن يهدده "حاكم عنجر" أو جميل السيد بمستقبله السياسي، فـ"لقب دكتور" يساوي عنده "100 مرة لقب نائب"، فكان هو وأهل الشمال أهلاً للتحدي في "إسناد" الرئيس الشهيد في وجه محاولات إلغائه في إنتخابات العام 2000 التي انقلب فيها السحر على الساحر، لتبدأ المواجهة الشرسة مع "النظام الأمني" بكل فصولها، ترغيباً وترهيباً، لإبعاده عن الحريري، ولكن بلا جدوى، لإيمانه بـ"مشروعه السياسي الكبير لأجل لبنان".

يحتار عضو كتلة "المستقبل" من أين يبدأ في رواية شهادته عن تلك "الحقبة السوداء" التي اتسمت بالإنتقام من مشروع رفيق الحريري، إن بـ"عرقلة" المشاريع الإنمائية التي كان ينوي تنفيذها، أو بمحاولة "إبعاد" الموظفين المحسوبين عليه من الإدارات العامة، كعبد المنعم يوسف، الذي يشغل حالياً منصب مدير عام "هيئة أوجيرو"، والذي يروي فتفت ما "فُبرك" بحقه من دعاوى جزائية واتهامات باطلة، "زجته في السجن لمدة سنة، وجعلته يذهب في خلالها إلى المحكمة 19 مرة ليحصل بعدها على 19 حكم براءة"!.

وكان لفتفت "حصة الأسد" من كرم "ضباط الأسد" في توزيع اتهامات "العمالة والتخوين" على كل من لا ينصاع لأوامرهم ولسياساتهم التي كانت تستبيح الدستور واتفاق الطائف، وتقفل أبواب الحوار بين اللبنانيين، وتهدف إلى تشتيتهم لا إلى لمّ شملهم، والوقائع التي يسردها فتفت في هذه "الشهادة" خير شاهد على "حقبة سوداء" يريد اللبنانيون أن يطووها من ذاكراتهم.

يستهل فتفت حديثه إلى "المستقبل" بشرح مقدمات تلك الحقبة السوداء: "تلك المرحلة بدأت اواخر العام 1998 يوم اخرج الرئيس رفيق الحريري من الحكم بعد انتخاب العماد اميل لحود رئيساً للجمهورية لتبدأ معها الممارسات الكيدية. تجلت في بدايتها بمحاولة توقيف الرئيس فؤاد السنيورة وتلفيق اكاذيب حول ما سمي تهريب مستندات من وزارة المالية... وهو ما اثر لاحقاً في قراري السياسي اذ انني ولغاية تلك المرحلة لم اكن قريبا من فريق الرئيس الحريري بل بالعكس كنت اعمل بالقرب من الرئيس الحص وندوة "العمل الوطني".. ولما تبدت امامي بداية الكيدية السياسية مع الرئيس السنيورة اتخذت قراري السياسي في لحظة تسلم الرئيس سليم الحص الحكم وقررت التوجه للمعارضة حيث لم اعط الثقة للرئيس الحص".

السيد يسأل عني؟
كانت لفتفت جولات وصولات مع ضباط المخابرات اللبنانيين والسوريين: "بدأت القصة بتسلم اللواء جميل السيد مديرية الامن العام، فبعد حوالي شهرين سألني النائب احمد كرامي عن سبب عدم تهنئتي اللواء السيد بمنصبه في حين ان الجميع قام بذلك معقباً: "هو يسأل عنك"... بعد ذلك ذهبت اليه مقتنعاً بأن المدير العام يستقبل النواب في مكتبه بشكل تلقائي... لكن عند وصولي الى مكتبه طلبت مني امينة السر الانتظار في الصالون الذي تصدرته جملة تقول: "يرجى من حضرات النواب حجز موعد"، وبالفعل دخل احد النواب لتعتذر منه امينة السر بأن لا موعد لديه وهكذا حصل مع زميل آخر.. عندها توجهت الى امانة السر لاوضح لها بأن لا موعد لدي، فتؤكد لي بأن اللواء السيد يريد الاجتماع بي. وبعد انتظار دام نصف ساعة حضر النائب بهاء عيتاني لتخبرني امينة السر بأن اللواء السيد سيستقبلنا معاً. كانت جلسة غير مسبوقة بالنسبة إلي وبوجود شاهد هو النائب عيتاني، حيث بعد المجاملات سألني اللواء السيد كيف الشمال؟ فأجبته محاولاً تلطيف الاجواء نحن مقصرون ولكننا نتابع اخبارك من بعض الاصدقاء المشتركين ليسألني: مثل من؟ قلت احمد كرامي (الذي كان في حينها قد رفض ايضاً اعطاء الثقة للرئيس الحص) فأجابني السيد: "انت خربت بيته لاحمد كرامي. وبعد اخذ ورد توجه إلي السيد بالقول: أنت شاب وفي بداية حياتك السياسية والمستقبل امامك.. انتبه! فأجبته حينها على الفور: أأخاطبك بحضرة اللواء او سعادة المدير ماذا تفضّل؟ قال: سيان الامر لا يختلف.. فقلت: بلى يختلف فعندي لقب دكتور يساوي مئة مرة لقب نائب وهذا الامر لا يعني لي شيئاً ولا احد يهددني في هذا الموضوع.. ووقفت وانسحبت من الجلسة.. وانقطعت بعدها العلاقات نهائياً".

.. وكنعان أيضاً
يتابع فتفت: "بعد ذلك اي منذ شهر شباط 1999 بدأنا العمل في تنظيم تيار المستقبل وسط استخفاف ملحوظ من الاطراف الاخرى التي اعتبرت اننا "نذهب الى الحج والناس راجعة" كون الرئيس الحريري قد انتهى باعتقادهم بعد خروجه من الحكم، ليبدأ بعدها وضع العراقيل في وجه عملنا ان على الصعيد التشريعي او الانمائي او الخدماتي.. وصولاً الى بداية العام 2000 عندما طلبني الرئيس الحريري وسألني عمّا إذا كنت أريد تسوية وضعي مع السوريين.. فأجبته: "أنا لا مشكلة لدي ولا ارى ان هناك اشكالاً..".

فأردف: "العميد غازي كنعان سأل كثيرين عنك".. ولما قلت له سأذهب لأراه، فكّر قليلا وقال: انا سأضرب لك موعداً معه. بعد حوالي اسبوع وكنت حينها لا ازال امارس مهنتي في العيادة تلقيت اتصالاً قال فيه المتحدث ان العميد كنعان يريد التحدث معك ليسألني الاخير ماذا لديك يوم الثلاثاء وطلب رؤيتي.. بعد المكالمة تحدث الي الرئيس الحريري ليقول: "المهم ان نمرر هذه المرحلة بأقل ضرر ممكن والافضل ان لا تكون الامور متشنجة".

ذهبت الى الموعد مع العميد كنعان وفي نيتي ان استمع لا ان اتكلم.. وخلال الجلسة التي دامت نحو الساعة، خمس وخمسون دقيقة منها كانت للمجاملات والمديح، محاولاً في النهاية اقناعي بأنني امثل موقع زعامة في منطقتي ليخلص الى القول: "لكنني استغرب كيف انك تسير وراء شخص.. ولدى سؤالي اياه عما اذا كان يقصد الرئيس الحريري، اجاب: "يعني.." فقلت: "انا اعتبر نفسي نائباً في منطقة صعبة نحن بحاجة فيها لغطاء سياسي يؤمنه الرئيس الحريري.. نحن في مرحلة ما جربنا تشكيل كتلة في الشمال برئاسة احمد كرامي ولم ينجح الامر لذلك نحن بحاجة لغطاء اكبر". فابتسم كنعان وقال: يعني احمد كرامي هذا حجمه وهذا ما يستطيعه.. في حين ان باستطاعتك منفرداً القيام بأمور اكبر من ذلك ونحن نستطيع تأمين ذلك الغطاء.. وعندما اكدت له انني مرتاح لتعاوني مع الرئيس الحريري والعمل معه، قاطعني بحدة قائلاً: "انت تخطئ كثيراً وهكذا انت لا تعمل على تأمين مستقبلك وتضع عراقيل كثيرة في طريقك وطريق مستقبلك". وعندما لم اوافقه الرأي انتصب واقفاً منهياً المقابلة بشكل جاف وقال: "على كل تكلم مع الاستاذ عصام فارس والمرشحين في منطقتك"..

بدأت المواجهة
هذه الوقائع وغيرها كانت الوجبة الرئيسية في لقاء سريع عقد مع الرئيس الحريري "لدى استماعه لشرحي عما حصل معي.. ادركنا جميعاً بأننا سنكون أمام مواجهة شرسة في الانتخابات التي ستحصل بعد اشهر قليلة. اجتمعنا في حينه في اطار تيار المستقبل شمالاً والذي كان يترأسه الوزير سمير الجسر للنظر في تشكيل ماكينة انتخابية لمواجهة ما يمكن ان نتعرض له من محاولات منع ترشيح وعزل يمكن ان نتعرض له".

ويضيف: قبيل الانتخابات قام النائب عصام فارس باعلان لائحته من منزله في عكار وسمى فيها النائب السابق اسعد هرموش عن مقعدي الضنية، واعتبرنا ان في ذلك رسالة كونه ترك مقعداً شاغراً. وطلب الرئيس الحريري التعاطي مع الامر بايجابية وهكذا كان حيث حملت رسالة دعم من الرئيس الحريري للاستاذ عصام فارس بمقابل تركه المقعد شاغراً على ان يكون تكريس ذلك من خلال غداء في منزلي في سير الضنية.. ووافق فارس بحضور النائب السابق طلال المرعبي.. لكن في الساعات والايام القليلة اللاحقة بدأت ترد اخبار عن عدم نية الفريق الآخر احترام الاتفاق وابلغني النائب السابق المرعبي انه في الطريق الى سير الضنية يوم المأدبة المتفق عليها ورد اليهم اتصال من مسؤول امني سوري كبير يحذرهم فيه من اعلان التأييد لوصول احمد فتفت للمقعد الثاني في الضنية... لكن المفاجأة يومها كانت حجم الحشد الشعبي الذي كان في استقبال الرئيس الحريري والذي اضطره لامضاء ست ساعات ليجتاز 25كلم هي المسافة الفاصلة بين طرابلس وسير الضنية ليمثل ذلك رسالة كبيرة جداً في السياسة لكل من يعنيه الامر.. وخلال المأدبة اعلن الرئيس الحريري وكما وعد تأييده للائحة في حين فاجأ عصام فارس الجميع بكلمة عامة لم يتطرق فيها الى ما كان متفقاً عليه".

الناس تحدّت الكيدية ضد الحريري
ويتابع: قبل اربعة ايام من موعد الانتخابات اتصل بي السيد توفيق سلطان ليقول لي: "لدي معلومات اكيدة ان الاتفاق لن يحترم وانه سيتم في آخر لحظة الاعلان عن ترشيح عبد الناصر رعد من الحزب السوري القومي الاجتماعي عن المقعد الثاني في الضنية". وهكذا حصل.. لتنقلب نتائج المعركة الانتخابية عكس ما يشتهيه الطرف الآخر فوصل فرق الاصوات الى عشرة آلاف عن اقرب مرشح اي عصام فارس، والى عشرين الف صوت على صعيد القضاء وهو فارق ضخم وشاسع يسجل على صعيد المناطق الثلاث اي عكار، بشري والضنية... من هنا اعتقد ان هذا القرار وما سبقه ولحقه هو من اغبى القرارات التي اتخذت في السياسة، اذ لم اصادف ما خدمني اكثر منه في خلال حياتي السياسية لدرجة ان بلدة كحرار والتي لم استطع ان ازورها لضيق الوقت ولعدم التسبب باحراج احد امام سطوة المخابرت السورية، نلت فيها 95% من اصواتها.. فالناس كانت تقترع لمشروع الرئيس الحريري ورفضاً للكيدية السياسية.. في حين ان الرئيس الحريري حاول جاهداً في هذه المرحلة الانتخابية عدم الوصول الى التصادم عبر تلطيف الاجواء من جهة ثم طلبه من النائب سمير الجسر سحب ترشيحه من جهة ثانية ومحاولته اقناعي بعدم الاستمرار بالمعركة لا بل واعلانه تأييد اللائحة المقابلة، لكن بالرغم من ذلك استمروا بالكيدية على الرغم من عدم وجود اي عداوة شخصية بيني وبينهم، فالمشكلة الوحيدة تلخصت في قراري الذي اتخذته في العام 1998 الانتقال من الصف الذي كان يفترض ان يكون ضد رفيق الحريري الى الصف الذي يساند رفيق الحريري ومشروعه السياسي الكبير للبنان".

19 محكمة و19 براءة
وينتقل فتفت للحديث عن القواسم المشتركة التي تجمع تلك المرحلة والمرحلة الحالية لافتاً على سبيل المثال الى انه كان لرفيق الحريري اكثر من عشرين مشروع قانون انمائي نائم في ادراج المجلس النيابي: وكما تمت اليوم عرقلة حكومة الرئيس سعد الحريري حصل في حينه ان وضعت العصي في دواليب حكومة الرئيس رفيق الحريري، وفجأة بعد تولي الرئيس الحص رئاسة الحكومة رأينا كيف ان معظم هذه المشاريع اصبحت امام اللجان المشتركة لدراستها بسرعة تمهيداً لاحالتها الى الهيئة العامة باستثناء مشروع قانون واحد هو مشروع قانون طريق يربط الضنية بالهرمل، دلالة على الكيدية السياسية والشخصية، وقد حاولت في حينها وعلى مدى اسبوع طلب موعد من الرئيس بري لسؤاله عن سبب ذلك ولم افلح، فما كان امامي سوى التوجه للاعلام للكلام عن الموضوع مبيناً جدوى هذه الطريق التي تربط بين منطقتين محرومتين الضنية والهرمل، موضحاً ان الغاءها يتم بكيدية سياسية، مما اضطرهم وبسرعة الى الافراج عن المشروع ليحال بعد ثلاثة ايام فقط الى الهيئة العامة... لكن الكيدية الاكبر كانت على مستوى الوظائف فشخص كعبد المنعم يوسف على سبيل المثال لا الحصر عانى الكثير في هذه المرحلة ايضاً بالرغم من انه صاحب انجازات ضخمة على صعيد شبكة الاتصالات التي تحققت في لبنان، ليخترعوا له ملفات وافلاماً واتهامات باطلة بلغ مجموعها 19 دعوى جزائية ليفبركوا في النهاية مسرحية مفادها انهم سيأتون للقبض عليه ليتسنى لهم الادعاء بأنه كان يحاول الفرار، وتم زجه في السجن لمدة سنة ذهب خلالها الى المحكمة 19 مرة ليحصل بعدها على 19 حكم براءة!".

ديناميت الترهيب
حتى بعد العام 2000 استمرت الممارسات السياسية الكيدية: "فأثناء حصول قضية الـmtv واقفالها ادليت بتصريح عام ايدت فيه الحريات العامة والاعلامية ولم آت فيه حتى على ذكر موضوع الـmtv ليتصل بعدها الضابط المسؤول عن المخابرات السورية في طرابلس بالعميد محمد قدورة وهو اليوم منسق تيار المستقبل في البقاع الغربي ليقول كلاماً عني لا يمكن ان يقال حتى في الشارع، وتضمن مختلف انواع الشتائم والتهديدات لي ولعائلتي، وبعد ايام قليلة انفجر اصبع ديناميت قرب منزلي في سير الضنية للتهويل ولمحاولة ثنيي عن مواقفي.. ويحصل ايضاً انه بعيد الانتخابات الفرعية في عاليه والتي حصل فيها مرشح المعارضة المسيحية، وكان عونياً في حينها، على نسبة أصوات مرتفعة جداً، وبعدها بأيام اتصل بي ضابط المخابرات السورية في طرابلس للتداول في الأوضاع السياسية في وقت كانت هناك حملة شرسة ضد النائب نائلة معوض في طرابلس، وخلال الحديث انتقدت ما يحصل من اخطاء في السياسة وتوجهت للعميد في المخابرات بالقول: ألم تروا ما حصل في عاليه؟ اذا ما استمرت هذه السياسة فليس من المستبعد أن يحصل ذلك ايضاً في طرابلس..

.. والتخوين
وبعد مغادرتي اتصل الضابط المذكور بالعميد في حينها اشرف ريفي وقال له بالحرف: "ان احمد فتفت هذا واحد خاين وعميل".. ومرة اخرى وكان ذلك في ربيع العام 2001 عندما بدأ البطريرك مار نصرالله بطرس صفير بالحديث عن الحوار وكنت أتحدث في ندوة لشباب المستقبل في عكار عن رأيي في مكونات الحوار واسسه. مساء ابلغني احدهم بأن العقيد (محمد) مفلح وهو ضابط المخابرات السورية في عكار والذي كان حاضراً مستاء، فقمت بالاتصال به لسؤاله عن سبب انزعاجه فقال: "يبدو ان لونك رمادي!".

وفي اليوم التالي قابلته برفقة زميلي مصطفى هاشم. استقبلنا في الصالون بحضور زواره ليسألني: "من تريد أن تحاور يا دكتور"؟ ولما اجبته كل من اقتنع بالدستور اللبناني وبالطائف سألني: "والقوات كذلك"؟ قلت له: "القوات" اعترفوا بالطائف والدستور.. فقاطعني باستهزاء: "أفهم منك انك ستحاور عملاء اسرائيل!". هنا دفعني الهامي للتوجه اليه قائلاً: أنا بذلك استوحي من الرئيس حافظ الاسد، فمثلما تم استقطاب ايلي حبيقة وغيره الى الصف الوطني علينا ان نحاول استمالة الآخرين لهذا الخط.. عندها فوجئ وسقط القلم الذي كان يضعه في فمه مما حفزني على اغتنام الفرصة والاستئذان بالرحيل..

هذه عينة من الممارسات التي كنا نعيشها في ظروف اتهمنا فيها بالخيانة والعمالة ووصلت بنا الى القمة في مرحلة التمديد للرئيس لحود، وبعد القضية الشهيرة التي حملت عنوان جلسات التصويت على اصول المحاكمات الجزائية والتي وافق عليها النواب ليردها بعد ذلك الرئيس لحود لاعادة مناقشتها في سابقة لم تحصل في تاريخ المجالس النيابية لنعرف بعدها ان الرئيس بري سمع كلاماً قاسياً جداً من قبل أحد الضباط السوريين حول الموضوع فضلاً عن الضغوط التي تعرض لها الرئيس الحريري لفرض تصويت معاكس للأول.

العميد يقول انك.. "عميل"
ويتابع: اما مرحلة التمديد للرئيس لحود فكانت الاصعب. وقبل اسبوع من الموعد في 3 أيلول العام 2004 طلبني مسؤول مخابرات طرابلس لجلسة استمرت ساعة ونصف ساعة حاول خلالها اقناعي، من دون جدوى بالتصويت لصالح التمديد تارة بالترغيب واخرى بالترهيب، وغادرت ليعاود الاتصال بي بعد ايام كان خلالها الرئيس الحريري اعلن سيره بمشروع التمديد بعد تعرضه والبلد كله للتهديدات المعروفة، من هنا عدت وقابلت الضابط المذكور مجاهراً اياه بأنه أصبحت لديهم الأكثرية المطلوبة ليجيبني: "كلا، نحن نريد صوتك أيضاً".. ولدى اصراري على موقفي سألني: "اتريد مقابلة العميد في عنجر؟" فأجبته: "لا مانع لدي لكن ألستم واحداً، لأنني سأقول له نفس الكلام"؟.. عندها طلب مني الانتظار خارجاً وحمل هاتفه الخلوي ليعود بعدها دون ان ادري انه تكلم على الهاتف أو لا قائلاً لي: "أريد أن أخبرك ان العميد يقول لك انك عميل أميركي إسرائيلي". فوقفت وقلت له وأنا خارج يبدو انكم لا تريدون اصدقاء أو حلفاء بل اتباعاً وأنا لا أستطيع ذلك فتعاملوا مع غيري.

ويتابع: "بعد عودتي الى طرابلس بعد يومين عاد ضابط المخابرات السورية ليطلب مني مقابلة العميد غزالة في عنجر فقابلته. وصودف وجود مدير المخابرات في الجيش اللبناني آنذاك العميد ريمون عازار، فأكمل العميد غزالة حديثه قائلاً لعازار: "انت الآن ذاهب لرؤية البطريرك، قل له إذا (هالعكاريت) سينزلون إلى الشارع سندعسهم واذا كانوا سينزلون ألفاً سننزل لهم كم مئة ألف من حي السلم".. وهنا أعتقد انه كان يتقصد ان اسمع انا هذا الحديث، فالعميدان كانا على تنسيق في ما بينهما ولم يكن غزالة مضطراً للكلام امامي لولا تقصده ذلك، وبعد خروج العميد عازار بقي العميد غزالة يكيل المديح لي لنحو نصف ساعة وبادرني بقوله: "لقد اتفقنا والرئيس الحريري فبعد التمديد ستكون هناك حكومة تكنوقراط وتعرف معنى ذلك، أي ان كلاً باختصاصه، أي مثلاً انت في وزارة الصحة.. فقلت له حضرة العميد هذه خطة فاشلة، فقال لي: "كيف ذلك"؟ قلت: أتيتم بكرم كرم طبيباً في وزارة الصحة وفشل ثم اتيتم بسليمان فرنجية وهو ليس بطبيب ونجح.. عندها وقف وقال لي: "اذهب وافعل ما تشاء واتخذ الموقف الذي تريده".. ولم أكد اغادر حتى اتصل بي احد الاصدقاء من الضباط وسألني عما فعلته وأبلغني بأن "الجماعة مزعوجون ومستنفرون".. وعلى الطريق اتصل بي رقم اعرف انه تابع لجميل السيد فإذا بالنائب جهاد الصمد وهو الذي لا يتكلم معي على مدى سنتين قبلها، وطلب لقاءي فقلت له انني سأكون الخميس في الضنية فطلب تقريب الموعد فاعتذرت بسبب الانشغالات، ولم أكد أقفل الخط، لأتلقى اتصالاً لا يحمل رقماً توجه لي المتحدث فيه وبلهجة غير لبنانية وواضحة تحمل مختلف التعابير البذيئة والتهديدات الصريحة، ليعود ويرن هاتفي بعد اقفالي بوجه المتحدث لأعود فأقفل الخط نهائياً. لأترك بعدها بيتي مصطحباً عائلتي للاقامة في اهدن عند الدكتور قيصر معوض.. كانت مرحلة صعبة جداً شملت ضغوطات شخصية وعائلية. واستمرت حتى بعد ذلك وبعد العام 2005 حين حوصرت عائلتي داخل المنزل في طرابلس وما رافقه من تحطيم سيارة زوجتي ولولا الجيران والاصدقاء وحتى من الذين لي معهم خصومة سياسية والذين تصدوا للمهاجمين لوقع في حينها ما لا يحمد عقباه.. اما آخر محاولة علنية معي فكانت في 19 شباط2005 حين اتصل بي النائب السابق نادر سكر وبشكل مفاجئ، قائلاً: "العميد رستم يريدك ويقول انك في الخط الوطني ويريد ان يراك"، فقلت: "المكان الذي أنا فيه هو الخط الوطني".. وكانت هذه آخر محاولة علنية لأتلقى بعد ذلك وبشكل غير مباشر كلاماً وتهديدات من قبل عدد من الضباط لتبدأ بعدها بالانحسار تدريجياً تبعاً لتصاعد التحركات الشعبية.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
5.00