الرئيسية | بأقلامكم | خطاب نصر الله.. إقرار بالاستكبار

خطاب نصر الله.. إقرار بالاستكبار

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

فادي شامية

دأبت إيران – ومن ثم "حزب الله"- منذ ثورة الإمام الخميني على وصف سياسة الخصوم السياسيين، ولا سيما الولايات المتحدة بـ "الاستكبار" فيما خص التعامل مع من أُسمي بـ "المستضعفين". ومع أن الاستكبار، بمعنى العنجهية والحيدة عن القيم لحساب المصالح السياسية، وصفٌ ينطبق على السياسة الأمريكية كما ينطبق على سياسات كثير من الدول؛ في طليعتها إيران نفسها، فإن أحداً من "المستكبرين" لم يدعُ جماعته صراحةً إلى الاستكبار... وحده أمين عام "حزب الله" فعل ذلك، مبرراً الدعوة إلى الاستكبار بـ "تكبّر" خصومه السياسيين!، علماً أن المناسبة التي تحدث خلالها السيد حسن نصر الله دينية بامتياز (ذكرى عاشوراء)، وهي تدعو إلى التواضع وحسن التعامل مع الخصوم و الشركاء لا التكبر عليهم!

لا تقف الغرابة عند هذا الحد (إذ لطالما برّر المستكبرون عبر التاريخ استكبارهم بأفعال الطرف الآخر)، وإنما تتعداها إلى تقديم أمين عام "حزب الله" بنفسه، وفي الخطاب العاشورائي إياه؛ الدليل تلو الدليل على أن ما يتهم به خصومه ينطبق على سياسة حزبه تماماً!

وإذ لم يخلُ كلام السيد نصر الله- كما في خطابات سابقة- من تناقضات ظاهرة وخفية، فإن اللافت هذه المرة أن خطابه حمل إقراراً بسياسة الاستكبار، ولو من باب أنه جاء على سبيل الرد على "تكبّر" الفريق الآخر.

الاستكبار في الحوار
استند السيد نصر الله في دعوته الصريحة إلى تكبّر أتباعه على ركنين؛ الاتهامات السياسية لحزبه، وفرض شروطٍ على الحوار، معتبراً أن ذلك "سخافة... ومن يتكبر علينا سنتكبر عليه". وأردف نصر الله بالقول: "ما زلنا نؤمن أن الحوار السياسي هو الطريق لمعالجة الأزمات... ولم نرفض في أي يوم الذهاب إلى الحوار"، مقدماً بذلك مغالطة واضحة، لأن آخر جلسات الحوار الوطني قبل إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري ميلشيوياً؛ كانت في 4 تشرين ثاني 2010 (الجولة الحادية عشرة والثالثة في عهد الرئيس سليمان) وفي هذه الجلسة حضر الرئيس نبيه بري ليبلغ رئيس الجمهورية وأركان الحوار قرار فريق الثامن من آذار كله بمقاطعة الحوار، لعدم إدراج ملف شهود الزور – الذي لا علاقة له بجدول أعمال الحوار منذ إطلاقه في العام 2006- على جدول الأعمال. في هذه الجلسة –وما سبقها من كلام سياسي- لم يرفض الحزبُ الحوارَ فحسب، وإنما اتهم خصومه السياسيين بأشنع الاتهامات (العمالة)، وفرض ملفاً أوحداً على الحوار (شهود الزور) تحت طائلة المقاطعة، وتالياً فقد فعل "حزب الله" بالضبط ما يعتبره اليوم "تكبراً" من خصومه؛ يجيز له الاستكبار عليهم!

وبالنظر إلى موضوع الحوار بشكل أعمق؛ فإن الاستكبار فيه قائم فعلياً منذ العام 2006، لأن "حزب الله" يقوم بلا كلل بما يراه مناسباً –نيابة عن اللبنانيين- في خص "الإستراتيجية الدفاعية"؛ تسلحاً وتدريباً ومواقع واتصالات، كما أنه قام بما رآه هو مناسباً في العام 2006 (أسر الجنديين)، كما مؤخراً عندما أرسل طائرة تجسس إلى أرض العدو بدعم من إيران... وتالياً؛ فإن سياسة "حزب الله" تقوم على الأساس الآتي: نحن نفعل ما نراه مناسباً دون مراجعة أحد، وإذا اتفقنا ("حزب الله" والآخرون) على شيء آخر يمكن أن نعدّل من سياستنا، أما إذا لم نتفق فإن "كلمتنا" هي التي تمشي على الجميع، وكل من يعترض فإنه ضد المقاومة، ومع العدو... إنه الاستكبار الذي يحوّل الحوار إلى مقبرة لدعوات الشراكة الحقيقية، بدعوى أن أي اعتراض على سياسة الحزب الدفاعية محله طاولة الحوار، ولا داعي للكلام في هذا الملف خارج هذه الطاولة، وهي باقية بلا أفق زمني... منذ ست سنوات وحتى نتفق!

الاستكبار على الخصوم
... ولا يقتصر الاستكبار على طريقة التعاطي مع الخصوم السياسيين، وإنما هو موجود في أصل النظرة إليهم، وإلى طروحهم السياسية، ولعل من مفارقات خطاب نصر الله إياه أنه حمل الدليل على هذا الاستكبار، عندما وصل تمجيد نصر الله لإيران إلى حد اعتبار من يعادي سياستها في المنطقة "خادماً أميناً لإسرائيل"، متجاوزاً بذلك الحق بالاختلاف، وإمكانية أن يكون المرء معادياً لـ "إسرائيل" ومعادياً لسياسة إيران الإقليمية بالوقت عينه، على اعتبار أن كلاً من "إسرائيل" وإيران تعتديان على دول الجوار وشعوبها راهناً، أو على الأقل هذه هي نظرة ملايين الناس، الذين خوّنهم السيد نصر الله بكلامه هذا.

ليس هذا فحسب؛ فلطالما حفلت خطابات نصر الله بنظرة استعلائية، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ وصفه جماعته بـ "أشرف الناس"، وتقديسه عناصر حزبه، بما في ذلك من هو متهم منهم بجرائم اغتيال، واستخفافه بالمطالبة بتسليمهم ولو بعد مئة سنة، وتجاهله بالكامل مشاعر الذين يعانون من سطوة سلاحه، وصولاً إلى انقلابه على اتفاق الدوحة، وإطاحة حكومة سعد الحريري، وتنصيبه نجيب ميقاتي رئيساً بالرغم عن إرادة الطائفة السنية؛ تلك الطائفة التي يتعامل الحزب مع مظاهر شعورها بالكبت والغضب على أنها دعوات فتنة، متناسياً مساره الطويل في إهانة هذه الطائفة ورموزها.

والاستكبار لدى "حزب الله" ليس قاصراً على كلام أمينه العام، بل يشمل كل من فيه تقريباً، وصولاً إلى حد تجويز الحزب لنفسه ما لا يجوز لغيره؛ ولعل آخر التناقضات في هذا المجال اعتبار نائب أمين عام الحزب نعيم قاسم – كما آخرون في الحزب- أن مقاطعة الحكومة والبرلمان "ليست معارضة، (بل) تعطيل لمصالح الناس، وتعطيل لاستحقاقات أساسية يحتاجها الناس" (11/10)، متناسياً أن "حزب الله" رفض مجرد حضور جلسات حكومة هو شريك فيها، لأنها قبلت مناقشة ملف شهود الزور، ولكنها لم تضعه أولاً، بمعنى عدم البت به قبل الانتقال إلى بحث مصالح الناس، وأن الحزب أسقط الحكومة وعطل البلد أشهراً، كرمى لملف اسمه شهود الزور، لم يعد يسمع به أحد بعد تشكيل حكومة جديدة!، وأن الحزب وحلفاءه اعتصموا قبالة الحكومة أشهراً في خيم بعضها مسلح، وأن الرئيس نبيه بري أقفل مجلس النواب كله قرابة السنتين، وأن الوزراء الشيعة استقالوا من الحكومة، وقد مُنع الرئيس فؤاد السنيورة من تعيين بدلاء عنهم، بدعوى أنهم لا يمثلون الطائفة الشيعية، فإذا بالحزب يأتي لاحقاً بمن لم ترض به الطائفة السنية رئيساً للحكومة... ثم يأتي النائب محمد رعد ليسأل الفريق الآخر باستكبار قبل أيام: أروني كيف ستسقطون الحكومة؟!

الاستكبار على المظلومين
ما سبق كله في كفة، والاستكبار على المظلومين في سوريا، خلافاً للمنظومة الفكرية الأساس لـ "حزب الله" (ثورة المظلوم في وجه الظالم) في كفة أخرى؛ ذلك أن الاستكبار هناك يأخذ شكلاً أكثر رعباً؛ يبدأ بالقتل ولا ينتهي بانتهاك الأعراض، وقد بات تورط "حزب الله" في دم السوريين معلوماً، ومُقَراً به من الحزب نفسه على لسان أمينه العام.

وإزاء فضيحة وجريمة بهذا الحجم، ما عاد يجدر بـ "حزب الله" أن يتكلم؛ لا عن الشعوب المظلومة، ولا عن الحركات المقاوِمَة، طالما أنه ينصر الظالم ضد المظلوم لحسابات سياسية-طائفية مقززة، لكن السيد نصر الله فعل، مبرراً ذلك بعبارة لا ترجمة واقعية لها: "نحن ندعم المظلوم في كل مكان، والمظلوم اليوم في سوريا هو كل سوريا وكل شعبها وكل جيشها"!. ثم يردف بالقول: "إن نصرة المظلوم في سوريا يكون بالعمل لوقف الدم ووقف تدمير سوريا"، وهو ما لا يستقيم أبداً مع إرسال "حزب الله" مقاتليه والسلاح إلى سوريا، للقتال إلى جانب النظام والشبيحة، إذ لا يدخل هذا الأمر في العمل على وقف الدم والدمار، كما لا يدخل أيضاً في باب الوقوف إلى جانب سوريا كلها كما ادعى نصر الله.

المستكبرون يدركون عادة أنهم مكروهون، فيجهدون في ربط أنفسهم بملفات تحظى بتعاطف الأمة كلها؛ هذا ما فعله كثيرون من الطغاة العرب، قمعوا شعوبهم وحاربوا "إسرائيل"، وقد تجرّأ أحدهم على قصف تل أبيب نفسها، والممانعون منهم اكتفوا بالمزايدة في عدائها، لكن ذلك كله –كما محاولات "حزب الله" باستثمار ملف الدفاع عن الإسلام أو ملف المقاومة الباسلة في غزة) لم يغن عنهم المصير الذي حتّمته السنن الكونية، أليس هذا ما تقوله أدبيات "حزب الله" نفسه عن مصير كل مستكبر جبار؟!

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0