الرئيسية | الآخبار | لبنان | كـامــل الأسـعــد: زعـامــة الإرث

كـامــل الأسـعــد: زعـامــة الإرث

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image الرئيس الراحل كامل الأسعد في صورة من الأرشيف

تتوقف بوفاة رئيس المجلس النيابي الأسبق كامل الأسعد واحدة من المحاولات الأساسية لعصرنة «زعامة الإرث». فأبو أحمد، كامل الأسعد، ورث النيابة والرئاسة عن والده أحمد الأسعد الذي لا يزال الجنوبيون يتندرون بسلاسة تعاطيه معهم، وجدّ كامل الأسعد لأمه كامل الأسعد الذي كان من الوجوه البارزة في بيوت السياسة أوائل القرن الماضي. إلا أن كامل الأسعد الذي انحصر «التراث الأسعدي» في شخصه بعد وفاة والده سنة 1961، كان مدركاً تطورات العصر، ربما لأن شهادة الحقوق الفرنسية أكسبته قناعة بأن جمود المجتمعات لا يمكن أن يساهم في بقائها وربما لأنه رأى أن دوام الحال من المحال بعدما كان يشاهد بأم العين ماذا تتحمل «ذقون الجنوبيين» من قهقهات تكاد في مرات كافية تجعلها حليقة من دون شعر.

لذلك، حاول ترميم إرث الزعامة بخطوات عملية فأسس «الحزب الديموقراطي الاشتراكي»، وأصدر جريدة «الراية» الأسبوعية، وساند معادلة الشهادات العربية بالأجنبية، ودعم بشدة «جامعة بيروت العربية» لجهة إنشاء كليات جديدة فيها. وبعد كل انتخابات نيابية، كان حريصاً على إنشاء كتلة لأداء دور فاعل في الحياة السياسية، وآخرها «التكتل النيابي المستقل».

غاب الرئيس الأسعد قبل أن يكمل حلقة الوصل بين زعامة الإرث والزعامة المبنية على المبادئ والأصول، فبقي زعيماً بين الزعامتين يمكن أن تصنفه الأقرب إلى هذه أو الأقرب إلى تلك. إلا أن غيابه لم يكن من لحظة وفاته بعدما ترك متابعة المشوار منذ ما بعد انتخابات 1992 النيابية.

قد تكون هواجس العصرنة ومسلمات علم السياسة قد ساهمت في تقصير مسافة المشوار. فالسياسة كما آمن بها ومارسها هي موقف ورأي. وإذا كان جميع السياسيين يدركون ذلك جيداً إلا انه اختلف عن الكثيرين منهم باعتقاده أن الموقف لا يتغير والرأي لا يتبدل. وبذلك، كان صلباً قاسياً حتى في العطف على موقفه ورأيه بالإفساح في المجال أمامهما لشيء من التعديل أو التبديل إن لم يكن بالانقلاب على الموقف بموقف آخر. ولعل في هذه الصلابة التي تصل إلى حدود العناد كان السبب بأن يعمد رئيس المجلس الذي كان دائماً يبرر ويسند ما يقول به بأسباب وأحكام، الى الجنوح في بعض المرات النادرة الى «تغطيه السماوات بالقبوات»، كما يقال. وحتى في مثل هذه المرات، كان يجد لهذه التغطية هذا الغطاء، ويكفي لأن يكون مقتنعاً بها كي لا يسأل عن قناعة الآخرين. فدائماً كان يرى ان «واثق الخطوات يمشي ملكا»، او «قل كلمتك وامشي»... ولعل أهم مظاهر هذه «الصلابة الفولاذية» تمثلت في مساهمته الفاعلة في تمرير اتفاق 17 أيار في المجلس النيابي وفي مساندته الفاعلة جداً انتخاب بشير الجميل لرئاسة الجمهورية.

موقف الرئيس الأسعد من اتفاق 17 أيار كان صلباً في ارتداده على حياته السياسية بصورة عامة. ففي أول فرصة سنحت سنة 1984، توقفت متابعة الطريق أمامه في سدة رئاسة المجلس وبقي نائباً بحكم الاستمرارية فقط حتى إذا ما سنحت الفرصة سنة 1992 توقف مسار حياته النيابية ليجد نفسه متقاعداً في المنزل.
ما لا شك فيه ان صيانة الموقف بالثبات عليه من سمات الرجال الرجال، وكامل الأسعد بهذا المعنى كان منهم لا بل في مقدمتهم. إلا أن السياسة ولعبتها التي تتطلب موقفاً في جميع الحالات لا تسمحان بممارسة اللعبة بوضع «الصولد» على الطاولة. وكامل الأسعد وضع «صولده» على طاولة 17 أيار وتوابعها وخسر لتنتهي حياته السياسية بإرادته وعن سابق تصوّر وتصميم. ولا يمكن القول إلا انه حتى هذه الخسارة لا يمكن ان يمارسها إلا الرجال الرجال.

لم يكن استمرار نيابة الرئيس الأسعد يشكل هاجساً له ولم يتطلب منه مثل الجهد المادي وغير المادي الذي يتطلبه من الآخرين، وإن كان في مرة من المرات قد خسر الانتخابات التي قادها الرئيس كميل شمعون. إن هاجس الاستمرارية كان متمثلاً عند الأسعد برئاسة المجلس، وكشف بالدليل القاطع مدى إمساك رؤساء الجمهورية بالمجلس النيابي قبل التعديل الدستوري سنة 1990. هذا الدليل لم يكتف بممارسة الظلم على النظام السياسي برمته، إنما أولا، على الرئيس كامل الأسعد بالذات. ولعل صلابة الرئيس الأسعد وثباته على موقفه بعناد هما سبب الاقتصاص الرئاسي منه. فبعد كل انتخابات نيابية منذ 1964، كان النائب كامل الأسعد يفوز برئاسة المجلس. لكن ما ان يحين موعد انتخاب الرئيس الذي كان يتم سنة بعد سنة حتى يفوز خصمه، وإن كان «من أهل البيت»، صبري حمادة بانتخابه بأكثرية موصوفة من النواب الجدد الذين أيدوه قبل أشهر معدودة أو قبل مدة لا تتجاوز السنة. وبقي هذا الواقع مستمراً الى انتخابات مجلس العام 1971 عندما تحصن المجلس بعد سنوات معدودة من ولاية المجلس، بتعذر إجراء الانتخابات النيابية، ما أطلق حرية النواب في عملية انتخاب المجلس باعتبار أن «الوعيد» من قبل فوق للمؤيدين للأسعد لم يعد ذا فعالية.

كامل الأسعد وجه من الوجوه اللبنانية الذي ترك بصمات واضحة في مسار العمل النيابي. ولعل أول من عمد الى تقدير هذا الوجه، ولو عملاً بما تمليه رئاسة المجلس على من تولى هذا المنصب يوماً، كان الرئيس نبيه بري الذي اتخذ مبادرات قد يكون من غير اللائق كشفها تجاه هذا الجنوبي ابن «الطيبة». فله الرحمة ولرئيس المجلس نبيه بري وعائلة الفقيد العزاء.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
5.00