الرئيسية | بأقلامكم | الأمين العام تحت مقصلة لسانه!

الأمين العام تحت مقصلة لسانه!

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فادي شامية

أن يبدل السياسيون في لبنان مواقفهم تبعاً للمصلحة السياسية، فهذا أمر لا يدعو للدهشة، لكثرة شيوعه، وتعوّد الناس عليه، لكن أن يعمد زعيم إلى تأصيل مواقفه، على أسس ثابتة؛ بعضها سياسي وبعضها ديني، ثم ينقض هذه الأسس ويبدل هذا التأصيل، فالأمر يستحق التوقف، سيما إن كان من يفعل ذلك يزعم أنه يتحرك على أسس تختلف عن بقية السياسيين، كما يقول هو عن نفسه.

على مدى سنوات طويلة؛ أقله من العام 2006 وحتى اليوم، رسّخ السيد حسن نصر الله في ذهن جمهوره أن أميركا و"إسرائيل" وجهان لعملة واحدة، وأن همّ أميركا الأول في المنطقة هو الحفاظ على أمن وتفوق "إسرائيل". قال ذلك بالنص وبالمعنى مرات ومرات، استناداً إلى شواهد و"إثباتات"، ولعل ذروة هذا التأصيل كان في العام 2006 عندما اعتبر نصر الله أن أميركا باتت مسخرة لخدمة "إسرائيل"، يومها قال: "إن الولايات المتحدة الأمريكية تعطل صدور قرار دولي بوقف إطلاق النار لأنها تعمل على تحقيق مصالح إسرائيل" (9/8/2006)، وفيما بعد عاد و"اكتشف" في خطابات لاحقة أن "إسرائيل" كانت تخوض الحرب نيابة عن الولايات المتحدة، لكنه لم يعتبر مرة أن "إسرائيل" وأميركا يمكن أن يسيران في مسارين مختلفين.

في 19 تموز الماضي قال نصر الله إن "التجربة أثبتت أن مشروع أميركا الأول في المنطقة هو إسرائيل". كانت هذه خلاصة تصنيف نصر الله للعلاقة بين أميركا و"إسرائيل"، وقد جاءت تتويجاً لتأصيل سياسي بنى عليه مشاركة حزبه في القتال في سوريا؛ باعتبار أن أميركا و"إسرائيل" تريدان إسقاط سوريا، وتالياً فإن "لسوريا في المنطقة والعالم أصدقاء لن يسمحوا بسقوطها بيد أميركا وإسرائيل والجماعات التكفيرية" (30/4/2013).

في خطابه العاشورائي (الجزء الأول- ليلة العاشر من محرم) نسف نصر الله التأصيل السابق، وفصل للمرة الأولى بين أميركا و"إسرائيل"، معتبراً أن "أميركا لا تعمل؛ لا عند إسرائيل، ولا عند أدواتها في المنطقة. أميركا تعمل عند أميركا، وإسرائيل تعمل عند الأميركي، ورأينا أن أميركا لم تعتد على سوريا بسبب مصالحها وهواجسها وبالتالي أميركا تعمل لمصلحتها"!

واضح إذاً أن ما بين "أميركا تعمل على تحقيق مصالح إسرائيل" وما بين "أميركا تعمل لمصلحتها" تباعد في الرؤية يبلغ حد التناقض، فما الذي تغير حتى يغير السيد نصر الله من أحد ثوابت خطاباته كلها؟ نصر الله نفسه يجيب: إنه التقدم في المفاوضات الإيرانية-الأمريكية حول الملف النووي ونفوذ إيران في المنطقة.

وما يدعو للدهشة أكثر؛ دخول نصر الله شخصياً إلى دائرة الترويج  للتفاهم الإيراني-الأميركي (أي التفاهم مع "الشيطان الأكبر" وفق أدبيات إيران والحزب)، باعتباره الحل في المنطقة، وأن ما عداه هو الحرب التي نعرف كيف تبدأ ولا نعرف كيف تنتهي. وهذه ثابتة ثانية يكسرها نصر الله في الخطاب نفسه، باعتبار أنه وآلته الإعلامية كان يخوّن في السابق أي مسؤول لبناني يجتمع مع السفير أو السفيرة الأمريكية في بيروت، فإذا به –ليس يرضى ويبارك تفاهماً مع الأمريكيين- وإنما يستعمل هذا التفاهم للاستقواء على خصومه المحليين، مؤكداً لهم وبالعبارة الصريحة: "إذا حصل تفاهم نووي إيراني-دولي؛ فريقنا سيكون أقوى وأفضل حالاً محلياً وإقليمياً"!

ما سبق ليس مجرد تناقض يكثر في خطابات نصر الله مؤخراً، وإنما نقصٌ لأسس يبني عليها نصر الله مواقفه عادةً. أما إن شئنا البحث عن التناقضات، فهي ظاهرة ليس في مواقف نصر الله الحالية والسابقة فحسب، وإنما في مواقف نصر الله في الخطاب نفسه (بشقيه ليلة عاشوراء وتتمته يوم العاشر من محرم).

وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ اتهم نصر الله في ليلة العاشر من محرم المملكة العربية السعودية بعرقلة تشكيل حكومة، وأنها قالت لحلفائها: "هناك مفاوضات على الملف النووي الإيراني، وهذه المفاوضات قد تكون نتيجتها أن موضوع حزب الله سينتهي، ولا تشكلوا حكومة فيها حزب الله"، بعدما قال في الخطاب نفسه عن المملكة العربية السعودية إنها "تقف إلى جانب إسرائيل... وتعارض بشدة أي تفاهم بين إيران ودول العالم"، مبدياً أسفه أن يصبح نتانياهو الرافض للتفاهم "ناطقاً رسمياً باسم بعض الدول العربية"!.

تناقضه في موضوع الحكومة بدا لافتاً أيضاً عندما تمسك في خطابه المسائي بعدد محدد من الحقائب الوزارية، معتبراً "الصيغة الممكنة الآن وبعد ستة أشهر وسنة وسنتين والتي تطمئن الجميع هي 9-9-6" ثم عاد ليقول بعد ساعات في خطاب العاشر من محرم، "نحن لا نقايض وجود سوريا (يقصد النظام) ووجود لبنان وقضية فلسطين والمقاومة ومحور المقاومة ببضعة حقائب وزارية في حكومة لبنانية قد لا تسمن ولا تغني من جوع"!

لا يقل هذا التناقض عن تمسكه -والناطقين باسم الحزب - بثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" كأساس لأي بيان وزاري، ثم إعلانه في العاشر من محرم ما يأتي: "يقولون لنا: لن نشارك معكم في حكومة لتغطّي وجودكم في سوريا، وأنا أقول لهم: لسنا بحاجة إلى غطائكم لوجودنا في سوريا، لا سابقاً ولا حاضراً ولا مستقبلاً"!

ما بين نقض الأسس الفكرية والتناقض في المواقف السياسية، ثمة استكبار متنامٍ في إطلالات السيد نصر الله، لأن الذي يقول لشركائه في الوطن "نحن لا نطلب منكم أصلاً لا غطاء للسلاح ولا غطاء للمقاومة... ولسنا بحاجة إلى غطائكم لوجودنا في سوريا، لا سابقاً ولا حاضراً ولا مستقبلاً" كأنه يقول أنا أفعل ما أراه، والذي لا يعجبه فليضرب رأسه بالحائط!

إنه الاستكبار الذي يعمي البصائر؛ معه يصبح يوم الانتصار للمظلوم (الإمام الحسين) مناصرةً للظالم (نظام الأسد)، وفي ظله يصبح التحالف مع النظام السوري مدعاةً للفخر، والدفاع عنه حمايةً للبنان، لكأن متفجرات سماحة-المملوك وتفجير المصلين في طرابلس جاءت من عند العدو الإسرائيلي لا من عند هذا النظام "الحليف".

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0