الرئيسية | بأقلامكم | رواتب اللبنانيين ضئيلة فيستعينون بموارد أخرى للصمود حتى نهاية الشهر

رواتب اللبنانيين ضئيلة فيستعينون بموارد أخرى للصمود حتى نهاية الشهر

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سلوى بعلبكي

لا يمكن اللبناني، مهما علا شأن راتبه، أن يكفيه للصمود حتى آخر الشهر، خصوصا اذا كان يتقاضى الحد الادنى للأجر ... أو حتى أكثر. إذ يبدو واضحا من خلال النماذج التي استطلعت آراءهم "النهار"، والذين تراوح اجورهم ما بين 600 وألفي دولار، ان الموظفين لا يستطيعون تدبير أمورهم المعيشية ما لم يستعينوا بدعم الاغتراب أو بعمل اضافي، او بزعيم أو حزب سياسي.

لا تبدو مستغربة استعانة معظم اللبنانيين بـ"مخارج سحرية" لتدبير مصاريفهم اليومية والشهرية، مع وجود أكثر من سبب يدفعهم الى ذلك. فالفواتير المزدوجة للخدمات العامة (كهرباء، مياه، هاتف)، وغياب ضبط ارتفاع اسعار السلع والايجارات واقساط المدارس، كلها تدفعهم الى اللجوء الى مصدر ما لتسيير أمورهم بما يتيسّر لهم.

ينعي البعض الطبقة الوسطى في لبنان، ولكن الخبير الاقتصادي كمال حمدان يعتبر ان "هذه الطبقة لا تزال موجودة، ونلاحظ وجودها من خلال اسلوب عيشهم". ولكن من المؤكد أن هذه الطبقة تستعين بمصادر مالية أخرى لكي تعيش على هذا النحو". ويشير الى أن اسرة واحدة من كل 3 اسر تستعين بمصادر اخرى اضافية لتحسين مداخيلها، إن كان من مصادر اعمال اقارب لها في الخارج أو من تصفية موجودات سابقة، اضافة الى المصادر الاخرى من الأحزاب أو الزعماء ما يجعلهم رعايا لديهم، ويضعف تاليا أي تطور سياسي او انمائي منشود".

يمكن أن تنطبق صفة العائلة المستورة او الطبقة المتوسطة على تانيا سماحة بعدما تبدلت ظروف عملها. فأوضاعها المادية تحسنت بعدما أصبحت تعمل في شركة اجنبية وتتقاضى نحو ألفي دولار. فهي قبل انضمامها الى هذه الشركة التي تعمل في المجال الطبي كانت تتقاضى نحو 600 دولار، مما دفعها الى السفر الى ليبيا حيث استطاعت أن تدخر مبلغا متواضعا في البنك. الا ان سوء الاوضاع الأمنية في تلك البلاد دفعها للعودة الى لبنان، حيث بقيت أشهرا عدة من دون عمل، الى أن سنحت لها فرصة العمل من جديد. لا تخفي سماحة، أنها عانت الامرّين بسبب ضآلة راتبها السابق، إذ أنه قبل أن ينتصف الشهر تكون قد صرفته، فتلجأ الى اخوتها لمساعدتها على تحمل مصروف البيت حيث تسكن مع والديها، "كنت أشعر بحرج وذل كبيرين، ولكن لم يكن من بديل".

حاليا، تشكر سماحة الله لأنها لا تطلب مساعدة اخواتها الا نادرا، وفي حال اضطرت بسبب "مدفوعات مستجدة"، فإنها تستعين بما تدخره في البنك... "فواتير الكهرباء والمولد الكهربائي والماء والهاتف الثابت والخليوي تقضم أكثر من ثلث راتبي... ولكن الحمد لله مستورة".

هل هذا يعني أن المعدل المطلوب للراتب لكي يستطيع اللبناني أن يعيش "مستورا" هو ألفا دولار؟ من البديهي، وفق حمدان، أن "لا تكفي الموظفين رواتبهم، خصوصا اذا كانت أقل من ألفي دولار، إذ يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار ان معظم الخدمات العامة اصبحت مزدوجة، من الكهرباء الى الهاتف الى المياه والنقل... فالاسرة التي لا يتجاوز دخلها الـ 1500 دولار، ولديها كل هذه المصاريف، ستعيش حتما في حال تهميش وقلق، ومستواها الى انحدار، خصوصا مع ارتفاع اسعار الايجارات ومؤشر الاسعار ما بين 4 و 5%". وتوقع ان تزداد اوضاع هؤلاء سوءا اذا استمرت الارتفاعات في الايجارات والاسعار، ولم يقابلها تصحيح للأجور في القطاعين الخاص والعام.

يشير حمدان الى ان تصحيح الاجور لم يعوض الا نصف التدهور جراء ارتفاع الاسعار، بدليل أن معظم الموظفين لم تتبدل أوضاعهم المادية والاجتماعية بعد الزيادة التي طالت راتبهم. هذا الامر ينطبق على الموظفة في احدى المؤسسات الخاصة سامية الضاهر (27 عاما) التي أشارت الى انها تتقاضى حاليا نحو 1150 دولارا، ولا تزال تطلب من والدها مصروفها الشخصي. فالراتب الذي تتقاضاه تدفعه فواتير الانترنت والهاتف والسيارة وموقف السيارات. "ما إن يطل اول الشهر برأسه حتى يبدأ هاتفي بالرنين لتذكيري بالفواتير المستحقة: 350 دولارا قسط السيارة، 100 دولار فاتورة الخليوي، 25 دولارا فاتورة الانترنت، 65 دولارا لموقف السيارة، عدا عن أقساط الجامعة والكتب". وتقول "لا اعرف كيف تعيش العائلة بالحد الادنى للاجور... ولا استغرب لجوء البعض الى السرقة أو القتل لإطعام عائلته في هذا البلد الذي يفتقر الى ادنى مقومات العيش الكريم".

وحال المتخرجين ليست أفضل... فعلاء (23 عاما) الذي تخرج العام الماضي من الجامعة اللبنانية لم يجد عملا براتب يلبي طموحاته المستقبلية. لذا، ارتضى اخيرا العمل في مؤسسة اعلامية براتب 800 دولار، لكي لا يبقى عاطلا عن العمل، كزملائه الذين "يقضون معظم اوقاتهم في المقاهي، لمحاربة الملل". عائلة علاء تقطن في الجنوب، ما اضطره الى مشاركة أحد اصدقائه سكنه في بيروت، بحيث يدفع نصف الايجار (350 دولارا)، فيما تكلفه الوجبات اليومية أكثر من 200 دولار شهريا علما أنه يستعين بـ"المونة" التي تزوده اياها والدته اسبوعيا. راتب علاء لا يكفيه حتى منتصف الشهر، ليبدأ العد العكسي لقوننة مصاريفه "اتهرب من صديقتي، حتى لا احرج نفسي امامها... وأعمد الى الرد على اتصالاتها بدل معاودة الاتصال بها كالمعتاد" يقول علاء ساخرا. وفي آخر الشهر لا يتردد علاء بالطلب من والدته "المعونة المالية، على أمل أن اردها عندما أقبض... ولكن هذا لم يحصل ولا مرة".

يلاحظ حمدان "أن نسب معدلات الفقر لم تتغير منذ 2004، فأسعار السلع والايجارات ارتفعت مع زيادة الحد الادنى للاجور اخيرا". لذا ليس مستغربا أن تحافظ عائلة العلي التي تسكن في إحدى ضواحي بيروت على سوء اوضاعها المادية والاجتماعية، لا بل انها تزداد سوءا مع انعدام فرص عمل جديدة لرب العائلة. فسامر المعيل الوحيد لعائلته المؤلفة من ثلاثة اولاد اضافة الى زوجته، يعمل براتب لا يتجاوز الـ 800 الف ليرة، يدفع منهما 300 الف ليرة ايجار منزله (غرفتان) والباقي لا يكفيه لتأمين الغذاء اليومي لأطفاله... فكيف يؤمن اقساط المدارس والطبابة؟ يشير العلي الى ان اولاده يتعلمون في مدارس مجانية ورسمية، وعلى رغم ذلك فإنه لا يستطيع تأمين أقساطهم "لا اخفيك سرا، اطرق ابواب زعماء منطقتي ووجهائها حتى اؤمن لهم الاقساط والكتب. اما الطبابة فهي مؤمنة حاليا بالمستوصفات التابعة للدولة".

هذه النماذج، وان كانت بأسماء مستعارة، إلا أنها تعكس واقعا معيوشا للبنانيين لم يجدوا بعد سبيلا الى الهجرة من بلد بدأ يلفظ ابناءه لعدم توافر أدنى مقومات العيش والبقاء فيه.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0