الرئيسية | بأقلامكم | «اليسوعية» «بروفا» مسيحية

«اليسوعية» «بروفا» مسيحية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

شارل جبور

ما حصل في وسط الأشرفية في الجامعة اليسوعية ليس أقلّ من غزوة واستباحة وتحدّ سافر لمشاعر شريحة واسعة من اللبنانيين، وتحديداً المسيحيين، وهذا الاستفزاز ما كان ليحصل لو أنّ الطرف المعتدي يحسب ألف حساب قبل الإقدام على خطوة من هذا النوع. ولكنه، ويا للأسف، "يَستوطي حَيط" هذه الجماعة، ومعه كلّ الحق، لأنّ هذه الجماعة لم تظهر بممارستها منذ العام 2005، أيّ استعداد للدفاع عن حقّها ومقدساتها.

وفي اليسوعية هناك طرف معتد وطرف مُعتدى عليه، وهذا الاعتداء لم يحصل نتيجة إشكال عفوي وطبيعي بين مجموعتين طالبيتين مختلفتين سياسياً، إنما تمّ التحضير والتخطيط لهذه الهجمة بعناية فائقة، بدليل حصولها بعد أيام عدة على نتائج الانتخابات التي فازت فيها قوى 14 آذار، فضلاً عن استقدام "حزب الله" قوّة من خارج الجامعة لتطويقها، ما يؤشّر إلى وجود هدف من وراء هذه العملية، والأغلب إيصال رسالة إلى المسيحيين مفادها: "عَنترياتكم ومهرجاناتكم وتهديداتكم لا تخيفنا، لقد دخلنا إلى ما تسمّونه عرين مقاومتكم "الأشرفية البداية"، وضربنا قدس مقدّساتكم بشير الجميل، و"أعلى ما في خَيلكم يا أيها المسيحيون اركبوه".

وفي موازاة هذه الرسالة، يبدو أنّ الحزب أراد اختبار ردّ فعل المسيحيين في بروفا تمهّد لعملية أوسع، وقد نجح في الاختبار، لأنّ الهجمة ليست أقلّ من 7 أيار، والشارع الذي لا يتحرك دفاعاً عن الأشرفية وبشير لن يتحرك دفاعاً عن معراب وسمير، وبكفيا وأمين. والتمسّك بالدولة لا يلغي إطلاقاً حقّ أيّ طرف بالدفاع عن النفس، بل إنّ فرض توازن رعب على الأرض يساعد الدولة على القيام بمهماتها وتحمّل مسؤولياتها، خصوصاً أنّ هذه الدولة في أسوأ وضع منذ العام 2005.

والثابت والأكيد أن لا حلّ خارج الدولة، ولكن لولا الدور الممانع للجماعات لكان لبنان سقط تحت الوصاية السورية ومن ثم الإيرانية، وإذا كان هذا الدور سلبياً في بعض الأحيان لجهة تشكيله عقبة أمام التطوير والتحديث ونقل النظام من مرحلة إلى أخرى، إلّا أنه شكّل في المقابل سداً منيعاً أمام محاولات وَضع اليد على لبنان.

فالمقاومة المسيحية بين عامَي 1975-1990 أسقطت مشاريع الضمّ والفرز والتقسيم، وممانعة المسيحيين بين عامَي 1990-2005 مهّدت لانتفاضة الاستقلال والالتقاء مع السنّة والدروز وشريحة من الشيعة تحت عنوان الدولة وإخراج الجيش السوري من لبنان. فلَو خضع المسيحيون لَمَا بَقي لبنان ولا مَن يحزنون.

ومن هذا المنطلق مواجهة مشروع "حزب الله" تكون بترسيم حدود نفوذه داخل طائفته وجغرافيته، وأيّ تمدد له خارجها يعني تحوّله إلى وصاية جديدة. والمواجهة معه تكون أيضاً داخل الدولة وخارجها، وقد نجحت الطائفة السنية بعد أحداث 7 أيار في مَنع الحزب من الاصطدام المباشر معها، فاضطرّ في عبرا إلى جَرّ الشيخ أحمد الأسير إلى مواجهة مع الجيش. وفي طرابلس، على رغم كلّ محاولاته، عَجزَ عن تركيع أهلها وإخضاعها.

وطالما الشيء بالشيء يُذكر، فالطرف الذي دافع عن كرامة أهل الجبل في 7 أيار هم الدروز لا الدولة. وبالتالي، لغاية اليوم، لا يزال الدور تكاملياً بين الدولة والجماعات، والحفاظ عليه مسألة بغاية الحاجة والضرورة، وذلك حتى استعادة السيادة.

وما تجدر الإشارة إليه أنّ الناس عشيّة الحرب لم تجرؤ على المواجهة لولا شعورها بأنها غير متروكة وأن هناك مظلة راعية لها وتحميها من المؤسسة العسكرية إلى الأحزاب المسيحية، هذه الأحزاب التي عليها أن تحدد اليوم وظيفتها ودورها انطلاقاً من الإجابة على السؤال الآتي: هل ما زالت تشكّل هذه المظلة التي يلجأ إليها الناس لدى شعورها بالخطر؟ وسؤال آخر افتراضي: كيف ستكون عليه ردّة فعل بيار الجميل وكميل شمعون وبشير الجميل لو حصلت هذه الغزوة في زَمنهم؟

وإذا كانت الجامعة للجميع لا لطرف واحد، والمناطق للجميع لا لطرف واحد، إنما هناك في المقابل حرمات ورمزيات وحساسيات وخصوصيات يجب احترامها، فضلاً عن أنّ الأشرفية، وهذا تاريخ، كانت رمزاً للمقاومة المسيحية، والجامعة اليسوعية، وهذا تاريخ أيضاً، كانت رمزاً للمقاومة الثقافية السلمية في وجه الاحتلال السوري.

ومن ثمّ كيف يُعقل لطرف يدّعي انتصار مشروعه النووي أن يكون في هذه الحال من التشنّج والعصبية والغضب إلى درجة افتعال إشكال عن سابق تصوّر وتصميم وبشكل مفاجئ ومن خارج سياق المناخات التهدوية التفاوضية التي أوصلت الدولة الراعية له إقليمياً إلى الاحتفال بانتصارها النووي؟

وهل تصعيده المفاجئ ضد تيار "المستقبل" ومن خارج السياق أيضاً سَببه معرفته بما يُطبَخ من تسوية بين إيران والغرب؟ وهل ردّ فعله غير المبرّر ضد المستقبل واليسوعية مَردّه إلى خوفه من صفقة ما على رأسه؟ وهل ادعاؤه الانتصار هدفه إخفاء شعور لديه بالقلق والهزيمة؟

فلا يمكن تبرير سلوك "حزب الله" سوى أنه تعبير عن الأزمة التي يعيشها مشروعه بعد التراجع عن الكيماوي والنووي وتقدّم المعارضة السورية ميدانياً، وعدم قدرته على حسم الوضع لبنانياً ووَضع نفسه في مواجهة مع السوريين والعرب.

كما أنه تعبير عن هواجسه من المستقبل بعد موقف البيت الأبيض بأنّ التسوية النووية لا تعني غضّ النظر عن الدور الإيراني مع "حزب الله" والنظام السوري، فضلاً عن توجّسه من تحديد موعد لمؤتمر "جنيف - 2" مباشرة بعد الاتفاق الغربي-الإيراني في محاولة من قبل المجتمع الدولي للاستفادة من الدينامية التي أطلقها هذا الاتفاق عبر الدفع باتجاه حلّ الأزمة السورية وفق المعيار الدولي لا الإيراني.

ما حصل في اليسوعية هو كسر لقواعد الشراكة... ما حصل في اليسوعية سيتكرر ويتوسّع، ومَنع تكراره يستدعي إعادة الاعتبار للعنفوان المفقود.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0