الرئيسية | الآخبار | لبنان | الرسائل التي عكستها الهبة المالية العسكرية

الرسائل التي عكستها الهبة المالية العسكرية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

توقّفت مراجع سياسية وأمنية في حديث لـ"الجمهورية"، أمام الرسائل التي عكستها الهبة المالية ـ العسكرية السعودية ـ الفرنسية في توقيتٍ هو الأدقّ، بحيث جاء تزامُناً مع غليان تشهده المنطقة نتيجة انتقال الثورات العربية من ساحل أفريقيا الى قلب الشرق الأوسط العربي، وأكبر دوله سوريا، والتي تلقي آثارها المدمّرة على لبنان.

لم تكن الهبة السعودية بنتَ ساعتها، فلها قصّة طويلة تمتدّ الى سنوات، إذ كانت مدار بحث جدّي بين رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وقادة أوروبّيين وعرب، وما بين قيادة الجيش ونظيراتها في العالم الغربي ممّن ارتبطت بهم برامج تدريب ضبّاط الجيش اللبناني ورتبائه وتجهيزه، منذ أن حدّدت قيادة الجيش حاجاته في قانون – برنامج وافقت عليه الحكومة ورصدت جزءاً من كلفته للسنوات الخمس المقبلة، وهو البرنامج الذي وُضع على جدول أعمال “المجموعة الدولية من أجل لبنان” التي التأمت في نيويورك في ايلول الماضي وأقرّته جزءاً من التعويضات التي يستحقّها لبنان نتيجة الأزمة السورية وانعكاساتها على دول الجوار.

وهذه الخطة وضعتها قيادة الجيش قبل عامين، تمّ تيوِيمها وإخضاعها لتعديلات متعدّدة قياساً على حاجات القوى العسكرية والأمنية ومهمّاتها المتطوّرة. وعلى خلفية ما ألقِيت على الجيش من مهمّات انهكته إلى جانب القوات الدولية في الجنوب أو على طول الحدود ومناطق التوتّر المذهبية التي نشأت بفعل الأزمة السورية وانعكاساتها على لبنان.

ويذكّر المعنيّون من يرغب بقراءة الهبة السعودية – الفرنسية على أنّها تستهدفه، وصولاً إلى اعتبارها مشروع فتنة سعودية ـ فرنسية تستهدف لبنان، أو أنّها في سياق سباق داخلي في لبنان نحو السلطة أو ما بين منطق دعاة المقاومة على حساب الجيش حتى قيامه أو العكس، بأنّ هذه الهبة هي خطوة مقرّرة بإجماع لبنانيّ في الطريق إلى بناء الدولة القوية التي تستند في قيامها بواجباتها على قدرات الجيش ليبسط سلطته وحيداً على الأراضي اللبنانية.

وعليه، فقد اكتسبت هذه الهبة أهمّية خاصة في ظلّ الجدل القائم حول ما يراه البعض “إنحرافاً خطيراً” للمقاومة بعد تعديل هدفها ودورها ووجهة سلاحها من الجنوب اللبناني في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي إلى قلب الأراضي السورية، إذ إنّ هذا البعض يرى في الهبة ما قد يؤدّي في وقت قريب الى تعزيز قدرات الجيش ليكون القوّة الأمنية الوحيدة على الأراضي اللبنانية التي تتكفّل أمن المواطن بعد سقوط الذرائع التي حالت دون هذه المهمّة.

وتعتبر المراجع المعنية لصحيفة “الجمهورية” أنّ الجدل المبكر حول هذه الهبة، إنّما عبّر عن قلق البعض على مستقبلهم، فما أعلنه سليمان أمس الأوّل يحتاج إلى آليّة طويلة لترجمته واقعاً ملموساً. فالجميع، ومنهم من يفقهون النصوص الدستورية ويعرفون الأدوار، يقولون إنّ من حقّ رئيس الجمهورية التفاوض في شأن مثل هذه الهبات للحصول عليها، كذلك بالنسبة إلى الإعلان عنها، على ان تُترك لبقية السلطات والمؤسسات الدستورية لتلعب أدوارها المتكاملة وصولاً الى النتائج المرجوّة.

فالهبة العسكرية السعودية التي ستكون أسلحة فرنسية لا يمكن اعتبارها هبة مالية لكي تحال من مجلس الوزراء الى مجلس النوّاب لإقرارها بموجب قانون، لكن والحال كما أُعلِن عنه، فقد تحوّلت الهبة السعودية المالية هبةً عينية، فلبنان ليس طرفاً مفاوضاً فيها، فبالتكافل والتضامن بين الرياض وباريس، ستدفع السعودية المال مباشرة لفرنسا التي ستورّد السلاح الى بيروت، وبهذه الطريقة تحوّلت الهبة عينية، ويكفي قبولها بقرار من مجلس الوزراء، وهو ما سيكون مطروحاً على جدول اعمال أيّ حكومة جديدة فور تأليفها.

ولذلك يعتقد العارفون انّ النقاش في الشؤون المالية للصفقة ليس في محلّه لبنانياً، لأنّ العملية كلّها ستجري بين الرياض وباريس لتصبّ نتائجها في بيروت، كما انّ الحديث عن أثمان سياسية قد يكون له ما يبرّره، لكنّ ذلك مؤجّل الى حين إتمام المراحل الخاصة بالهبة، وهي طويلة المدى، بحيث سيكون لبنان قد تجاوز الإستحقاقات الحكومية والرئاسية الداهمة. فالجميع يعرف انّ السعودية موجودة على الساحة اللبنانية ولا يتنكّر لذلك أحد، وأنّ وجودها في برنامج الهبات للبنان قديم ومتقدّم بعدما احتلّت المراتب الأولى في مجال الهبات المادية والعينية والمالية والعسكرية منذ إعمار الجنوب بعد حرب الـ 2006 وصولاً الى الهبات الخاصة بالنازحين السوريين وبرامج اجتماعية وإنسانية متعددة الوجوه. كما أنّ ودائعها المالية البالغة نحو المليار ونصف المليار دولار موجودة في مصرف لبنان منذ سنوات.

أمّا بالنسبة الى نوعية الأسلحة وكمّياتها فليس لأحد النقاش فيها، لأنّها مدرجة سلفاً في البرنامج – القانون لتجهيز الجيش الذي أقرّته الحكومة بناءً لاقتراح قيادته وليست موضوع نقاش، وما سيتوافر منها بموجب هذه الهبة لن يكون معزولاً عن أولويات هذه القيادة ورؤيتها لها من ألِفها إلى يائها.

وتُبدي المراجع قلقها ممّا قد تعكسه المواقف السلبية من الهبة مخافة أن يكون بعضهم قد نطق نيابة عن أقطاب، فيعيد التاريخ نفسه بالسرعة القصوى، لذلك فإنّ الخوف يكمن في أن تلقى الهبة مصير هبات أخرى وصلت الى فم اللبنانين ولم تدخله، من الهبة الروسية التي تأرجحت بين طائرات الـ”ميغ ـ 29 ” التي كشف عنها وزير الدفاع السابق الياس المر قبل سنوات، وصولاً إلى تحوّلها إلى مروحيات يحتاجها الجيش، وقد حالَ التوتّر السياسي دون وصولها إلى لبنان، ما خلا تلك الإيرانية منها التي حالت دونها العقوبات الدولية المفروضة على إيران.

وختاماً يبدو النقاش في هذه الهبة مبكراً، فالملف له آليّاته ومعابرُه المؤسّساتية والدستورية، وإلى حينه، هل سيكون لها أن تنتج تغييراً في توجّهات بعض القوى، ما يسهّل أمامها المراحل التنفيذية وسلوك المعابر الإجبارية بما يضمن لها الولادة الكاملة؟.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0