الرئيسية | بأقلامكم | قوانين الإرهاب وعقلية نحن وهم

قوانين الإرهاب وعقلية نحن وهم

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بقلم عباس مراد

خلال الأسابيع القليلة الماضية، اتخذت الحكومة  الفيدرالية الاسترالية عدة قرارات في ما يتعلق بمكافحة الارهاب ان كان على المستوى الداخلي او الخارجي. أولاً رفعت الحكومة درجة التحذير من الارهاب الى العالي بعد ان اخذت بتوصيات اجهزة الاستخبارات، بعد ذلك نفّذت ازيو والبوليس الفيدرالي بالتعاون مع البوليس في ولايتي نيو سوث ويلز وكوينزلند اكبر عملية وقائية ضد اعمال ارهابية متوقعة في ما عرف عملية "رأس المطرقة" والتي شارك فيها حوالي 800 شرطي وتم توقيف 15 شخصاً في سدني واثنين في بريزبن، اطلق سراح اكثرهم وأحدهم اطلق بكفالة رغم حيازته بعض الاسلحة بدون رخصة، ولا يزال شخص واحد قيد الاعتقال. وكان الملفت للنظر مواكبة اجهزة الاعلام لتلك العملية مع العلم ان الشرطة وأجهزة الأمن كانت تكتفي في الماضي بإصدار بيانات عن اية عملية تقوم بها.

حصلت الحكومة على تأييد مجلس الشيوخ لتعديل قوانين مكافحة الارهاب، حيث صوّت 44 نائباً لصالح التعديلات ومعارضة 12 نائباً يتقدمهم حزب الخضر ومعظم النواب المستقلين، بينما صوّت حزب العمال وحزب بالمر المتّحد الى جانب الحكومة على التعديلات ،التي شملت التمديد للقوانين المعمول بها منذ العام 2005 والتي كانت ستنتهي صلاحياتها العام القادم  والتي تم تمديدها العمل بها حتى العام 2025، وقد شملت التعديلات اعطاء صلاحيات اضافية لأجهزة الأمن والاستخبارات مع منح الحصانة لأعضاء تلك الأجهزة من المحاكمة في حال ارتكابهم اخطاء اثناء تنفيذ عمليات خاصة، ومنحت الأجهزة صلاحيات مراقبة الانترنت والكمبيوتر للأشخاص والمؤسسات بعد الحصول على اذن واحد من القضاء، وشملت التعديلات سجن كل صحافي ينشر اخباراً عن اية عمليات ذات طابع سرّي او كشف هوية اي عنصر في الأجهزة السرية لمدة 10 سنوات بالاضافة الى سجن كل عنصر يسرب لاخبار المخالفات التي ترتكب اثناء  العمليات الخاصة، وكانت الحكومة قد تراجعت عن تعديل المادة (35 ك) من القانون التي تسمح بتعذيب المحتجزين، حسب صحيفة سدني مورنيغ هيرالد في عددها الصادر 27-28/09/2014 ص 11، اعتبر المدعي العام الفيدرالي جورج برندس ان لا نية لإستهداف الصحافيين من وراء التعديلات، ورأت الأجهزة الأمنية والاستخبارات ان عدم مواكبة القوانين للتقدم التكنولوجي كانت تشكل عائقاً امام التحقيقات.

وحسب نفس المصدر رأى استاذ مادة القانون في جامعة نيو سوث ويلز البروفسور جورج ويليامز ان العقوبات "فوق العادة" مع انه اعتبر ان بعضها يماشي التطور التكنولوجي ولكنه حذّر من ان هناك خوف على حرية الصحافة. وكان السنتور ديفد ليونهيلم من حزب الديمقراطيين الأحرار قد ربط بين عمليات المداهمة والقوانين الجديدة قائلاً ان البوليس الفيدرالي وفي الولايات حوّلوا عمليات الدهم الى "سرك اعلامي" (س م ه 20-21/09/2014 ص 8). وكان السنتور سكوت لودلام من حزب الخضر راى ان الحكومة استقوت على البرلمان من اجل تمرير القوانين (س م ه 25/09/2014 ص 4) وحسب نفس المصدر اعتبر رئيس نقابة المحامين الاستراليين غريغ بارنز ان القوانين الجديدة تسمح لآزيو لمراقبة اي شخص في اي وقت ... وقال لا يوجد حماية للخصوصية...ولا نستطيع محاكمة الاجهزة اذا اعتدو على خصوصياتنا او اذا استعملوا المعلومات بطريقة غير قانونية.

لكن السنتور برندس اعتبر ان ما تم انجازه مهم لنؤكد للذين يؤمنون الحماية لنا في عصر الخطر الجديد ان لديهم الصلاحيات القصوى والامكانيات التي يحتاجونها، مضيفاً ان تلك النتيجة محمية بإجراءات قانونية قوية ومتوازنة.

اما على المستوى الخارجي فقد قررت الحكومة نشر قرابة 600 جندي وعدد من الطائرات وطائرات الامدادات والمراقبة بعد ان وافقت على المشاركة في الحلف الذي شكلته الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم داعش في العراق. وحسب ما قالته الحكومة ان نشر تلك القوات جاء بناءاً على طلب من الحكومة العراقية ويعتقد ان الحكومة ستتخذ قرار المشاركة الفعلية قريباً بعد اجتماع مجلس الامن الوطني. اما بالنسبة لضرب اهداف داخل سوريا، فقد ترك رئيس الوزراء طوني ابوت الباب مفتوحاً  لذلك واستبعد نشر عناصر على الارض.

نشير الى ان التعديلات الجديدة التي ادخلت على قوانين الارهاب تسمح لوزارة الخارجية بإلغاء جوازات سفر الذين يشتبه بهم ويرغبون بالإلتحاق بتنظيم  داعش. وهناك مادة في القوانين الجديدة معروفة "بالمحاربين الأجانب" بموجبها سيصبح الترويج لاي منظمة محظورة جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن 5 سنوات (س م ه 23/09/2014 ص 5).

خلال تلك الفترة تسارعت الأحداث، فقد اصدر تنظيم داعش بلسان الناطق بإسمه ابو محمد العدناني فتوى بقتل الغربيين  في بلادهم بأي وسيلة حيث جاء على ذكر استراليا، وتلت تلك الأحداث التي وقعت في مدينة ملبورن وقتل فيها الشاب عبد النعمان حيدر، والذي حسب ما قالت الشرطة انه هاجم اثنين من عناصرها واصاب احدهم بجروح خطرة. على أثر ذلك ازدادت نسبة الخوف لدى ابناء المجتمع فازدادت ظاهرة الاسلاموفوبيا (الخوف من المسلمين) وازدادت نسبة الاعتداءات العنصرية، وفي نفس الوقت ازداد الخوف من وقوع اعمال ارهابية وقد عزز ذلك فتوى العدناني.

هذه الاحداث اظهرت الى العلن التصدع في فريق استراليا الذي دعى اليه رئيس الوزراء، فقد جدد السنتور الاحراري كوري برناردي دعوته لحظر النقاب وكذلك فعلت السنتور جاكي لمبي من حزب بالمر المتحد والنائب من الحزب الوطني جورج كريستنسن الذي تضامن مع السنتور برناردي معارضاً موقف رئيس الوزراء الذي قال عن ان المداهمات لا علاقة لها بالدين، واعتبر كريستنسن كلام ابوت وجهة نظر واحدة. من جهته دعى وزير الاتصالات مالكوم تيرنبول الى الهدوء حتى انه ذهب الى ابعد من ذلك حين قال ان الذين يبثّون الفرقة يساعدون للترويج لداعش مضيفاً ان الذين يهاجمون الاسلام والمسلمين في استراليا يفعلون بالضبط ما تريد داعش والآن واكثر من اي وقت يجب ان ندعم التسامح والتعددية الثقافية حيث التمييز العنصري والديني غير مقبولين كلياً (س م ه 24/09/2014 ص 9)، وانتقد زعيم المعارضة الفيدرالية بيل شورتن تصريحات برناردي ورأي ان آخر شيء نحتاجه في هذا الوقت تعليقات جاهلة من نواب الحكومة التي تغذّي التعصّب.

بعد هذه العرض لا بد لنا من ان نطرح السؤال حول من يزال يفكّر بعقلية نحن وهم، فمن نحن ومن هم؟

هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها البلاد مرحلة عصيبة، ولكن كما واجهنا احداث كرونلا عام 2005 بفعل الوعي الوطني لدى القيادات وأخص بالذكر رئيس ولاية  نيو سوث ويلزالسابق موريس يما والوعي لدى المواطنين والشرطة، لا أظن ان الخيارات امامنا ضيقة رغم بعض الأصوات النشاز ووجود بعض الإنتهازيين لدى ما يسمى بقيادات الجالية، حيث علينا مواجهة الأزمة بكل ابعادها السياسية والاجتماعية والثقافية والاعلامية، وان لا تقتصر على البعد الأمني وكما يقول المثل العربي  لنجعل آخر الدواء الكي واتمنى على الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات التعاون مع قيادات الجالية الصادقة غير تلك التي ولّدت هذه الهوة بين بعض الشباب والمجتمع والجالية حتى نقطع الطريق على الإنتهازيين الذين يريدون الاصطياد في المياه العكرة والذين يعتقدون انهم يحموننا من الشيطان كما قالت صحيفة سدني مورنيغ هيرالد في افتتاحيتها 20-21/09/2014 صفحة 41 قسم ما وراء الأخبار.

من هنا تأتي اهمية التناغم الأجتماعي والانسجام والتماسك التي تعتبر اساس مصلحتنا الوطنية والتي تأتي بنفس الأهمية لمحاربة الإرهاب كما قال بيتر هارتشر في مقالته في صحيفة (س م ه 27-28/09/2014 ص 30) وكما اضاف بدون التماسك الأجتماعي السلامة الشخصية والحرية الشخصية والاقتصاد الوطني كلها في خطر.

بهكذا مقاربة نضع حد لكل الأعمال العنصرية التي تستهدف المواطنين بكل اطيافهم ،وكما يقول رئيس الوزراء للأسف لبعض الوقت قد يكون التوازن الدقيق بين الأمن والحرية قد يكون هناك ا لمزيد من القيود على البعض بحيث يمكن ان نؤمن الحماية للآخرين وقد يكون هذا ثمن قليل يجب ان ندفعه للحفاظ على الأرواح والنسيج الإجتماعي، الحرية والتعددية  الثقافية.

هذا وقد حفلت صفحات الرأي في الصحف بين مؤيد لكلام رئيس الوزراء وقوانين الارهاب دون تحفظ، وبين رافض بالمطلق لمبادلة حرية الرأي والتعبير ومعارضة قوانين الإرهاب على اعتبار ان لا نقص بالقوانين ولدى هؤلاء خشية على الديمقراطية واساءة استعمال الصلاحيات.

برأينا ان مهمة الحكومة  اي حكومة حماية مواطنيها لأن ضحية واحدة نتيجة عمل ارهابي شيء كبير وعمل غير مبرر لا دينياً ولا اخلاقياً وان الذين يدعون للقتل بإسم الدين وحسب تفسير ضيق للقرآن نقول لهم (... من قتل نفساً بغير نفس او فساداً في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعاً ) سورة المائدة الآية 32.ونرى في نفس الوقت ان على الحكومة الموازنة بين الحفاظ على الامن والحريات حتى لا نحقق غاية الارهابيين، وان لا يساء استخدام الصلاحيات  المعطات للأجهزة الامنية وان لا يشعر احداً انه مستهدفٌ على اساس ديني او عرقي او اثني كما قال رئيس الوزراء  وان يكون القانون هو الذي يحمي الجميع حتى لا نشعر بالحرج بعد سنوات كما حصل مع رئيس الوزراء الاسبق جان هاورد لقرارة غزو العراق عام 2003 بعد ثبوت عدم مصداقية المعلومات الاستخبارتية حول اسلحة الدمار الشامل والتي لم يوجد لها اي اثر بعد الغزو. ونختم بأن علينا ان نتخلى كلياً عن عقلية نحن وهم ونؤكد لشركائنا في الوطن اننا متممون لبعضنا وان استهداف اي فرد او مؤسسة او الاعتداء على الامن العام  هو استهداف لنا جميعاً وان هذا ردنا  على الارهاب والأرهابيين. وهنا نركز على الدور الذي يلعبه الاعلام في بث الطمأنينة وجعل الناس يمارسون اعمالهم كالمعتاد حتى لا نحقق للأرهابيين مبتغاهم!

وهنا استشهد بما كتبه المطران جورج خضر  الذي يقول:(..الأنسان موجود اذا احب .هذه هي النعمة ان تكون مع الآخرين. في ايماننا ليس الانسان فرداً.هو معية .الجماعة ليست العدد انها المشاركة .انت تحقق وجودك بالاخرين ،مع الآخرين الوحدة عظيمة ان لم تكن انفراداً،هي معية والله ليس معك ان كنت منفرداً ولكن اذا كنت مع الناس اي في الحب ، وعند ذلك تكون قد كبرت ..) من مقالة الرب يتكلم النهار اللبنانية 27/9/2014

عباس علي مراد
سدني

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
5.00