الرئيسية | بأقلامكم | الاستقلال فعل إيمان يسكن الذاكرة اللبنانية.. منذ 67 عاماً

الاستقلال فعل إيمان يسكن الذاكرة اللبنانية.. منذ 67 عاماً

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

ليس أمراً عادياً الاستقلال اللبناني

في إحدى الصور التي لا تفارق مخيلتي منذ كنت صغيراً، كان مشهد التلفزيون بالأبيض والأسود في المنزل الصغير في أحد أحياء برج حمود، تمر فرق عسكرية تؤدي التحية للواقفين على منصة تحمل أعلاماً لبنانية. كنت وأخوتي الأربعة نسأل الوالد عن العسكر، فيخبرنا أنه يوم عيد الاستقلال، لم أكن يومها أفهم معنى الكلمة لأني كنت صغيراً جداً، فظننت يومها أن الاستقلال يعني سلاح وعسكر ورؤساء للجمهورية والمجلس النيابي ومجلس الوزراء.

مرّ وقت طويل حتى عرفت أن عيد الاستقلال هو أمر مختلف، وهو مسألة كيانية أكثر منها مسألة عيد يستعاد كل عام مثل كل الأعياد الجميلة التي نحبها، ففي الأعياد نغيب عن المدارس ونخرج للتنزه أو حتى نذهب إلى مكان العيد، وهو المكان المخصص للألعاب، ولكن الاستقلال هو أمر لا يتم الحصول عليه بسهولة، ولا يمكن أيضاً أن يتواجد في أي بلد من دون تكاليف يدفعها الناس من حياتهم كما يحصل معنا في لبنان. مرة في أحد أعياد الاستقلال أخذنا الوالد أنا وأخوتي الأربعة إلى منطقة يستعرض فيها العسكر عيد الاستقلال لنرى كيف يكون العيد المختلف عن الأعياد الأخرى، جيش متجمع هناك وينطلق المارش العسكري على هدي صوت الفرقة التي تعزف بالصنوج والطبول، إنه أمر غريب بالنسبة إلى طفل كنته، ولكني اليوم أنتظره استعراضاً كاملاً يؤكد استقلال بلدي، ويعبّر عن الحماية التي أريدها من دولتي التي أدفع لها الضرائب والتي أنتخب سلطتها بملء إرادتي.

إنه عيد الاستقلال إذاً، لم تختلف الصورة كثيرة عن الماضي، حيث كان الرؤساء الثلاثة يجلسون إلى المنصة ومن أمامهم تمر فرق مختارة من القوى العسكرية والأمنية، ومن فوقهم في السماء ما زالت طائرات "الهوكر هنتر" تغطي بصوتها الذي يسبقها صورة عن الطائرات الحربية. بعد عاماً على استقلال لبنان الأول، اختلفت الصورة قليلاً، فهناك في الاستعراضات التي امتدت إلى أعوام السبعينات كان الجيش اللبناني يتمثل في قطع عسكرية سلاحها قديم، وكانت المرحلة السياسية مختلفة عن هذا الوقت، فالحكومة الأولى التي نشأت بعد انتخاب الشيخ بشارة الخوري رئيساً للجمهوريّة في العام ، كان همّ رئيسها رياض الصلح كما همّ الخوري الحصول على استقلال ناجز للبنان، يحمي خصوصيته بين الدول العربية ويحافظ على استقلال لبنان التام وسيادته الكاملة بحدوده الحاضرة وكيانه الحالي وعلى دستوره والحياة النيابيّة المنبثقة من الدستور.

نجح الخوري والصلح في تأليف حكومة متنوعة طائفياً مكونة من أربعة وزراء مع حقيبة المالية لرئيس الوزراء وهم، كميل شمعون، وزيراً للداخليّة والبريد والبرق. سليم تقلا، وزيراً للخارجيّة والأشغال العامة. عادل عسيران، وزيراً للتموين والتجارة والصناعة والاقتصاد الوطني. الأمير مجيد أرسلان، وزيراً للدفاع الوطني والزراعة والصحة. هذا التنوع المناطقي والطائفي بين الوزراء كان المقصود منه يومها ضمّ كل فئات اللبنانيين إلى فكرة الكيان اللبناني مقابل دعوات الانفصال عن لبنان وكذلك مقابل دعوات الالتحاق بفرنسا التي انطلقت منذ رحيل العثمانيين عن لبنان بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.

في تلك المرحلة عقد مجلس النواب اجتماعاً لمناقشة البيان الوزاري، وأعلن رئيس الوزراء رياض الصلح خلاله أن "لبنان وطن ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب... وأن إخواننا في الأقطار العربيّة لا يريدون للبنان إلا ما يريده أبناؤه الأباة الوطنيون، نحن لا نريده للاستعمار إليهم ممراً فنحن وهم إذن نريده وطناً عزيزاً مستقلاً سيداً حراً". كانت هذه الجملة استكمالا لصيغة العام التي وضعها الخوري والصلح وسار عليها لبنان وصولاً إلى العام مع توقيع اتفاق الطائف.

الاستقلال هو الحضارة الناجزة، أو الدولة القادرة على تحصين داخلها، والاستقلال أيضاً لا يعني أن دولة كلبنان لم تجد أيادي كثر، إقليمية ودولية تحاول التدخل بها من عدة جهات، فالاستقلال اللبناني عانى طويلاً، وخصوصاً في مرحلة الحرب الأهلية من العام إلى العام ، حيث كان على اللبنانيين أن يعدوا جيوشاً تدخل أرضهم في كل صباح أكثر مما يعدون أيام الهدوء بلا متفجرات وعبوات ناسفة، ولكن الاحتفال بعيد الاستقلال استمر في تلك المرحلة، وزاد عليه وزير التربية الوطنية في العام بطرس حرب عيداً جديداً هو عيد العلم، حيث تحول هذا اليوم إلى نهار طويل لرسم العلم اللبناني والتعرف الى تاريخنا الاستقلالي تحت ظل الصواريخ المتطايرة بين المنطقتين الشرقية والغربية، وغيرها من حروب ضوارس في ربوعنا.

منذ استقلال لبنان في العام وانسحاب الفرنسيين في بداية العام حصلت عدة تبدلات وتغيرات في لبنان والمنطقة، هذه التغيرات كان لها أثر كبير على الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان، البداية مع قيام دولة إسرائيل في العام ونكبة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه باتجاه الدول العربية ومنها لبنان، فكان التحول الأول في الديموغرافيا اللبنانية وكذلك في التحولات الاقتصادية من مدينة حيفا إلى بيروت، وزراعية من بيارات يافا إلى بساتين صيدا والدامور. بعد هزيمة العام أتى اغتيال رئيس حكومة الاستقلال الأولى رياض الصلح في العام أثناء زيارة إلى الأردن ليعيد طرح الصيغة والتبدلات السياسية في المنطقة ولبنان.

بعد اغتيال الصلح ووصول الناصرية إلى الحكم في مصر وبدء مرحلة القومية العربية وأحلام التحرر، وبعدها الثورة الشعبية في العام والصراع بين حلف بغداد من جهة والجمهورية العربية المتحدة من جهة ثانية، وما رافق ذلك من تبدلات وانتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية مع ما رافق عهده من بناء للمؤسسات وتنظيم كاد لو استمر أن يبني دولة حقيقية وعصرية فسادها أقل، بعد هذه المرحلة كلها تبدلت المناداة بصيغة العام إلى المناداة بتبديل داخلي انفجر صراعات توالت بالأعوام.

إذاً، لم يكن لبنان بعيدا عن كل ما يدور حوله في تلك المرحلة، فصار جزءاً من "الحرب الباردة" بين الشرق والغرب، صراع جواسيس في مقاهي بيروت من جهة، وبدء العمل الفدائي الفلسطيني من جنوب لبنان من جهة ثانية، مما زاد من وتيرة الصراع الداخلي بين القوى اللبنانية. طارت الفكرة اللبنانية البريئة التي تأسس عليها لبنان "المحبة" والتوافق وصلة الغرب بالشرق وكل ما نادى به آباء الاستقلال الأول، وحضر مكانها صراع على عدة أمور صغيرة وكبيرة ولكن يمكن اختصار جزء من هذا الصراع بجملة طغت على غيرها من الشعارات "عروبة لبنان أو لبنان ذو الوجه العربي".

تعدلت فكرة الصراع في لبنان عدة مرات بين انتماءات للخارج واحتضان إقليمي وغيرها، ولكن هذا الصراع لا يمكن وضعه كله بحضن الخارج فقط أو حتى تنسيبه إلى الصراع على مكاسب داخلية فحسب. فالتعقيدات تداخلت، وكان لكل مشكلة في لبنان حل موجود في الخارج، ومن أبرز الحلول التي غيّرت معادلة لبنان الدولة العربية الحيادية هو اتفاق القاهرة الموقّع من الدولة اللبنانية مع منظمة التحرير الفلسطينية في العام ، لتنظيم السلاح الفلسطيني على أرض لبنان، وما تبعه من تطورات سريعة امتدت لستّ سنوات قبل أن تندلع الحرب الأهلية في العام .

تبدل لبنان من دولة مستقلة يتداخل فيها المحلي بالإقليمي والدولي، إلى لبنان الحرب الأهلية المنقسم على ذاته، والمحتل إقليمياً ودولياً بعدة طرق وأشكال وظروف، صار لكل حيّ دولة مستقلة ولكل منطقة أمير أو زعيم حاول أن يبني اكتفاء ذاتياً في مواجهة أمراء الزواريب والأحياء والمناطق الأخرى، حروب دمّرت كل شيء واجتياحات كان أبرزها الاحتلال الإسرائيلي للبنان وخروج منظمة التحرير الفلسطينية قبل أن تنطلق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة جورج حاوي ومحسن إبراهيم ضد الاحتلال وتطرده من أكبر جزء من الأراضي اللبنانية.

في العام كان هناك استقلالي آخر يعمل لإنهاء الحرب الأهلية وصانع لاتفاق الطائف الذي أوقف القتال، إنه رفيق الحريري الذي صار رئيساً للحكومة وعاملاً من أجل إعادة إعمار لبنان وفتح باب التواصل بين أبنائه لمنع عودة الحروب الداخلية، هذا الرجل الذي كان له دور كبير في سلم العام وإعادة بناء لبنان، كان استشهاده سبباً آخر للبنان المستقل ثانية في العام .

في مرحلة سبقت العام كان الاستقلال أمراً احتفالياً فقط، تحت الوصاية السورية، حيث استمرت الدولة اللبنانية جزءا من تبدل إقليمي طاغ على المرحلة مما أخر نقاشات كثيرة حول كينونة لبنان وشكله وأسسه، ولكن استشهاد الرئيس رفيق الحريري حوّل وسط بيروت إلى مركز للقاء اللبنانيين من كل المناطق لينطلقوا منه إلى مناطقهم لنقاش مستفيض حول كل شيء، بدءاً من السلاح بيد الميليشيات وصولاً إلى الاقتصاد والتعليم والسياحة وهجرة الشباب وغيرها الكثير من القضايا.

عاد وسط بيروت مركزاً للمدينة يستقطب كل اللبنانيين ومعه كل زائري البلد، هذا المكان الذي أطاحت به الحرب ودمرته، عاد بعد شباط جامعاً لكل اللبنانيين المطالبين بالاستقلال الناجز، بعيداً عن الصراعات الطائفية.

نجح اللبنانيون يومها في الحصول على استقلالهم الثاني، ليصير لهم استقلالان، ورفعوا علمهم اللبناني الذي قرأوا عنه كثيراً في صفوفهم المدرسية، وغنوا فعلياً نشيدهم الوطني، بعدما كان قصة يتذكرونها مرة في العام أو كلما دخلوا احتفالاً جماهيرياً. تحولت ساحة شهداء الاستقلال إلى ساحة للحرية أيضاً وصارت العدالة مطلباً رئيسياً في حياة الشعب اللبناني.

قصة الاستقلال اللبناني بتنوعه ليست قصة عادية، فكل مرحلة لها تعرجاتها ومشاكلها وقصصها، وفي كثير من مراحل هذا التاريخ كان الصراع السياسي الحاد هو الأبرز، مرّت مراحل قليلة سيطر فيها السلم على جو البلد وخصوصاً في المرحلة التي حاول فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري إعادة بناء لبنان، كان رجلاً غير عادي مرّ ببلد غير عادي وبظروف أقل ما يقال فيها انها غير عادية.

في كل الأحوال أثبتت التجارب أن اللبنانيين يتعلمون كل مرة من أخطائهم بشيء ما، كما اتضح، والواضح أن ما تعلمناه من حربنا الأهلية السابقة هو أن لا نعيد القتال العسكري إلى علاقاتنا الداخلية، فيما قد يمتد الصراع السياسي ويتحول إلى أزمات مفتوحة لا تُعرف نهايتها. ولكن ما حصل منذ العام حتى اليوم، لو كان حصل في العام لكان أشعل حروباً أهلية متتالية وليس حرباً وحيدة.

الاستقلال الأول..
في العام ليلة الخميس تشرين الثاني أقدم الفرنسيّون على اعتقال الشيخ بشارة الخوري ورياض الصلح وعادل عسيران وسليم تقلا وعبد الحميد كرامي، وسجنوهم في قلعة راشيا لمدة يوماً، عمت التظاهرات لبنان في هذه الفترة مطالبة بالإفراج عنهم والاستقلال الناجز عن الانتداب الفرنسي.

في تلك المرحلة تألفت حكومة وطنيّة مؤقتة ورسم العلم اللبناني الذي نعرفه بشكله الحالي، وأُفرج عن كل الزعماء المعتقلين في قلعة راشيا، واستأنف الوزراء أعمالهم الرسميّة كما كانوا في المناصب الموكولة إليهم، وكان الإفراج عن أولئك المعتقلين يوم تشرين الثاني الذي أعتبر من حينها عيداً وطنيًّا للاستقلال اللبناني.

قبل عاماً وفي يوم الاستقلال استشهد رئيس الجمهورية رينيه معوّض، بانفجار عبوة ناسفة في منطقة الظريف في بيروت، كان خارجاً من احتفال عيد الاستقلال في مقر رئيس الحكومة يومها قرب حديقة الصنائع، ومتوجهاً إلى المقر الرئاسي المؤقت في منطقة الرملة البيضاء، انفجرت العبوة الناسفة وأدت إلى استشهاد معوّض وعدد كبير من مرافقيه، كان يوماً أسود في تاريخ اللبنانيين، فالرجل انتخب رئيساً للجمهورية اثر توقيع النواب اللبنانيين اتفاق الطائف بحثاً عن سلم في مرحلة سوداء، كان رجلا واضحا، يريد وضع جدول لتطبيق اتفاق الطائف بالكامل، وضع نهاية للحرب ووضع جدول انسحاب لكل القوى العسكرية من لبنان، اغتيل لتعود الحرب الأهلية وتشهد فصولاً أشد حدّة وتنتهي بعد عامين تقريباً.

الاستقلال والعدالة والاستقرار ثلاثة أقانيم تترابط بالتأكيد، فلا استقلال بلا عدالة واستقرار، وغياب العدالة يعني أن الاستقرار غائب، وغياب الاستقرار يعني أن لا عدالة تحمي الناس. في ظل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، تتعدد الروايات والقصص والتهديدات عن غياب الاستقرار وغياب الاستقلال، ولكن غياب العدالة يعني بالتأكيد أن لا استقلال يمكنه أن يحمي الوطن ولا استقرار يحمي الناس، فغياب الاستقرار منذ خمس سنوات لم يأت من فراغ بل هو موجود لرفض العدالة، والعدالة لم تصل وتجارب الشعوب أكدّت طويلاً من ألمانيا إلى يوغوسلافيا أن لا استقرار ولا استقلال من دون عدالة وديموقراطية وتنوع.

ليس أمراً عادياً الاستقلال اللبناني؟ نعم ليس أمراً عادياً. وهل تعلّم اللبنانيون من تجاربهم التي لا تنتهي؟ بالتأكيد تعلموا، ولكنهم يلدغون من الجحر نفسه كل مرة ويعيدون التجربة، هذا كان في الماضي أما اليوم ولحدّ هذا الوقت تعلّم اللبنانيون أن لا يلدغوا من جحر مرتين، ولكن الحرب جحر بمنافذ كثيرة، قد يحتاج المؤمن إلى كثير من الوقت ليتعرف الى أشكالها المتنوعة.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (2 مرسل):

في 22/11/2015 07:58:19
avatar
جميل لكن موسع أكثر من لزوم
مقبول مرفوض
0
في 12/11/2015 16:55:47
avatar
لبببؤرتن
مقبول مرفوض
0
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
4.17