الرئيسية | بأقلامكم | أردوغان في لبنان: تحدّيات «العمق الاستراتيجي»

أردوغان في لبنان: تحدّيات «العمق الاستراتيجي»

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

كتب محمد نور الدين

خلال السنوات السابقة لم تهدأ الديبلوماسية التركية من اجل ايجاد الحلول الوسط في المشكلات الناشئة عن الصراعات الاقليمية والداخلية.

اليوم يصل رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء التركي الى لبنان في زيارة تستعيد بعضا من الدور التركي الذي ربما شهد بعض التباطؤ او التراجع في الاسابيع الأخيرة.

ربما بالغ قادة حزب العدالة والتنمية في تقدير القوة الموضعية لتركيا في بعض الدول الشرق اوسطية. ولعل وجود النوايا الحسنة او طرح الدور الوسيط ليس كافيا لكي تحقق السياسة التركية النجاحات المرجوة.

كما ان الروابط التاريخية التي شكلت اساس نظرية العمق الاستراتيجي لتركيا في سياستها الخارجية الجديدة ايضا لا تكفي لبناء سياسة خارجية ناجحة في كل الاتجاهات.

عالم اليوم هو عالم المصالح الذي يمكن ان تشكل روابط التاريخ عاملا مساعدا لكنها (الروابط) لا يمكن ان تكون هي الأساس.

فالعالم العربي والشرق الاوسط امام خريطة سياسية ودينية ومذهبية واتنية جديدة لم تكن في الفترة العثمانية. والذهنيات المسيطرة الآن لا تمت بصلة الى ما كان مسيطرا من أفكار في ايام السلطنة. يكفي ان الأكراد قد نالوا دولتهم الأولى في شمال العراق وان نلحظ تأسيس دولة اسرائيل لكي نقف عند متغيرات المنطقة.

لقد اتبعت تركيا في السنوات القليلة الماضية سياسات اعتبرت نموذجية في العلاقة مع جوارها الجغرافي المباشر من البلقان واليونان الى روسيا وسوريا وايران والعراق. بل ذهبت الى مغامرة لم تكتمل، بسبب الحسابات الأذربيجانية، في محاولة حل المشكلة المزمنة مع ارمينيا والأرمن.

لقد وظّفت تركيا عوامل العمق الاستراتيجي في علاقاتها بجوارها الاسلامي لكنه لم يكن نفسه في علاقاتها مع روسيا واليونان والبلقان.

واذا كان العمق الاستراتيجي قد نجح مع سوريا والعراق وايران والعرب عموما فإنه كان هامشيا في العديد من القضايا التي استدعت مواقف لا تمت بصلة الى سياسة تعدد البعد او تصفير المشكلات.
المثال العراقي كان الأوضح في الآونة الأخيرة حين اتهم الرئيس العراقي جلال الطالباني، ومن قبله ما ذكرته الصحافة التركية، حكومة حزب العدالة والتنمية بأنها لا تريد كرديا لرئاسة العراق ولا تريد نوري المالكي لرئاسة الحكومة. الخطأ التركي كان واضحا في تحدّي موازين القوى على الأرض فانزرعت الشكوك وفي بعديها الاتني والمذهبي بين انقرة من جهة واربيل وبغداد وطهران من جهة اخرى. العمق الاستراتيجي في بعده الجغرافي العراقي المباشر كان يتعرض لهزة عنيفة.

المثال الثاني، وربما الأخطر، على تراجع مبدأ العمق الاستراتيجي في السياسة الخارجية هو موافقة تركيا على نشر الدرع الصاروخي على أراضيها. لم تذكر في الوثيقة الاطلسية ايران على انها الخطر لكن كل قادة حلف شمال الأطلسي يقولون ان نظام الدرع موجه اساسا الى إيران... وإيران هي من الدوائر التي يفترض ان تقع في عمق «العمق الاستراتيجي» لتركيا.

لا يعني ذلك ان العلاقات الايرانية سوف تتردى وتنهار بل ربما ستزداد عمقا، لكن مثال الدرع الصاروخي تأكيد على ان تركيا لم تغادر المعسكر الغربي بل ان الدرع الصاروخي سيزيد من وثوق العلاقات بين انقرة وبروكسل بشقيها الأطلسي والأوروبي. الدرع الصاروخي ليس فقط تحديا لسياسة العمق الاستراتيجي لتركيا بل خرق كبير لها.

لبنان أيضا يأتي في سياق التحديات.

مارست تركيا في لبنان في السنوات الأخيرة دورا مهما ووسطيا وعلى مسافة من كل الأفرقاء وساعدت، بعلاقاتها الجيدة مع سوريا، في تذليل بعض العراقيل امام التوصل لتسويات في ذروة النزاع بين اللبنانيين. وكان هذا دورا مرحبا به من غالبية اللبنانيين بل ان رئيس الحكومة اردوغان حرص على المبادرة في اكثر من مناسبة للاتصال بقيادة حزب الله بل بالسيد حسن نصرالله نفسه للتعبير عن مشاعره تجاهه. ولا ينسى الأتراك ذلك الاحتفال غير المسبوق في اي بلد عربي او مسلم الذي نظمه «حزب الله» في ملعب الراية في الضاحية الجنوبية تكريما لشهداء «اسطول الحرية» الاتراك.

مجيء اردوغان الى لبنان مختلف ربما بعض الشيء هذه المرة. هو اول تحرك تركي في المنطقة بعد «المنازلة» العراقية وبعد «الدرع الصاروخي». ويأتي في وقت عصيب من الصراع الداخلي في لبنان.. والخارجي على لبنان. ولا تحتمل الحساسيات اللبنانية اية زلة قدم تركية تجاه هذا الطرف او ذاك. ومن المهم ألا تنظر تركيا الى لبنان على انه مكان للـ«تعويض» عن العراق أو اي مكان آخر. ربما لا يفكر الاتراك بهذه الطريقة، لكن «الحملة التركية» الجديدة قد تكون مناسبة لترميم صورة الدور الذي تعرض للاهتزاز في الاونة الأخيرة ويكاد يبدد هدرا دم شهداء سفينة مرمرة خصوصا في ضوء انتقاد رئيس حملة اسطول الحرية «بولنت يلديريم» لموافقة انقرة على نشر الدرع الصاروخي على الاراضي التركية واعتبره عملا موجها ضد كل العالم الاسلامي.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0