الرئيسية | الآخبار | لبنان | كلمة الاستاذ ميشال معوض في ذكرى استشهاد الرئيس رينيه معوض

كلمة الاستاذ ميشال معوض في ذكرى استشهاد الرئيس رينيه معوض

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image الوضع المسيحي لن يكون بخير الا عندما يكون الاعتدال الاسلامي بخير

معركة بقاء ووجود خصوصاً بالنسبة الى المسيحيين

لبنان في مأزق، الطائف يحتضر. الجمهورية في خطر.

يريدون وضعنا اليوم امام معادلة: المحكمة او الاستقرار. ونحن نسأل: هل تغييب العدالة ينتج استقراراً؟
تلك هي تجارب الماضي الأليم، ماضي الحرب واستهدافاتها، باغتيال رموز لنا من كمال جنبلاط الى بشير الجميل، الى رشيد كرامي وسواهم من الشهداء.

اغتيال. تجهيل للفاعل، طمس للحقيقة فمزيد من الفوضى ومزيد من الانقسامات والاحقاد والفتن، فمزيد من الجرائم.

واخال الجبل يحاكينا اليوم بعد ثلاثة وثلاثين عاماً: ليتَكُم وبالحقيقة يومها وفرّتم على ابنائي كلَّ تلك الدماء والدموع.

وها هي تجربة رينه معوض، رئيس الطائف، رئيس المصالحة واعادة بناء الدولة.

اغتيال. تجهيل للفاعل. طمس للحقيقة. فضرب للميثاق وانقلاب على الوفاق وتأسيس للوصاية ثم نفي واعتقال وتنكيل وارتداد على النظام واستباحة للحريات، فمزيد من الجرائم والاغتيالات.

انه التاريخ. تغييب العدالة لا يؤسس قطعاً لا لاستقرار ولا لحرية ولا لنظام تعددي ولا لجمهورية ولا حتى لوطن.

ايها اللبنانيون،
تمسكنا بالمحكمة الدولية ليس فقط تمسكاً بحق قافلة شهدائنا علينا من كمال جنبلاط الى شهداء الاستقلال الثاني. تمسكنا بالمحكمة هو تمسك بلبنان. لبنان الانسان. لبنان الحرية. لبنان الشراكة والتعددية. لبنان الصيغة والميثاق. لبنان الانفتاح والاعتدال. لبنان التطور والحداثة. لبنان العربي والجمهورية الديمقراطية الوحيدة في هذا الشرق .

من هنا ان اصرار البعض على الغاء المحكمة او تجويفها ليس ابداً حرصاً على الاستقرار بل امعانٌ في ضرب الاستقرار وفي تغيير وجه لبنان.

اصرار البعض على اتهام المحكمة بالتسييس، اتهامها بالتصهين والأمركة ليس حرصاً على كشف الحقيقة بل استباق للعدالة وتعمية للحقيقة.

فلو كان الحِرصُ فعلاً على كشف الحقيقة، لماذا محاربة مبدأ المحكمة الدولية قبل اعلان احكامها وحتى قبل قيامها؟

فلنتذكر محاولات الحؤول دون قيام تحقيق دولي منذ 8 آذار وما بعده.

لنتذكر الانسحاب من الحكومة وما تلاه من تعطيل للمؤسسات الدستورية، عرقلةً لقيام المحكمة واقرار نظامها.

من دون ان ننسى الفصول المتتالية من تخوين مستمر لكل من يدعمون المحكمة، الى اختلاق تهم حول التحقيق والتعدي على المحققين، الى افتعال ملف شهود الزور وصولاً الى الاعلان عن عدم الاعتراف بالمحكمة ومقاطعتها.

انه سلوك مريب ومرفوض يشكل تطاولاً على ارواح الشهداء وتحدياً لارادة اللبنانيين الذين ملأوا الساحات مطالبين بالحقيقة ويشكل حتى تنكراً للمقررات التي اتخذت بالاجماع على طاولة الحوار وفي الدوحة وفي البيانات الوزارية التي شاركوا هم في وضعها.

لماذا كل هذا التوتر والتشنج؟

اذا كان الخوف فعلاً من التسييس والاستهداف فلننتظر القرار الاتهامي. واذا كان هذا القرار غير مبني على وقائع وقرائن جدية، سنكون اول الرافضين له.

نحن دعاةُ عدالة وحقيقة ولسنا طلابَ انتقام ولن نقبل ان يزج اي فريق لبناني او حتى غير لبناني تجنياً وزوراً حتى ولو كنا على خلاف سياسي معه.
اما اذا كان المطلوب تعطيل المحكمة لطمس الحقيقة ومنع العدالة
نقول: هذه هي الفتنة بعينها. فالفتنة لا تكون بتحقيق العدالة بل بتغطية المجرمين ونحن بالحق والعدالة متمسكون ولن نرضخ لا لتهديد ولا لوعيد.

ايها الحفل الكريم،
نحتفل اليوم بالذكرى الحادية والعشرين لاغتيال رئيس استشهد في سبيل استعادة السيادة والاستقلال
في سبيل اعادة بناء دولة الميثاق والشراكة عبر الوفاق الحقيقي بين اللبنانيين، في سبيل تحقيق وطن ينعم بثقافة الحياة والسلام.

" ان الوطن بحاجة الينا. فلنضع حداً نهائياً للعنف وللاقتتال. وليكف الجميع عن الاحتكام الى السلاح. ولنعد الى الكلمة السواء. فمن حق شعبنا ان يستعيد فرح الحياة. ومن حق اطفالنا ان يولَدوا في اجواء الامن والحرية والسلام. وان نعيش كلنا في هناء وصفاء".

هذا الكلام قاله رينه معوض الرئيس في خطاب القسم.

الاستقرار والوفاق، ايها السيدات والسادة، لا يستقيمان الاّ بأصول وشروط الدولة الديمقراطية التعددية الحامية للحريات وليس بشروط فئة او حزب ولا قطعاً بشروط السلاح. فاذا كان تحرير الارض ومقاومة العدو موضع اجماع بين اللبنانيين، الا ان المقاومة كما ادارة الصراع مع اسرائيل هما من مسؤولية الدولة وحدها. ومن غير المقبول ان يتفرد بالقرار اي حزب او اي فئة على حساب سيادة الدولة. من غير المقبول ان تكون المقاومة على حساب الاستقرار والدستور والصيغة والنظام الديمقراطي.

الاستقرار والوفاق لا يستقيمان الاّ بالحفاظ على الصيغة والشراكة بين اللبنانيين اي بالحفاظ على اتفاق الطائف.

ان هذا الاتفاق كلّف اللبنانيين مئة وخمسين الف قتيل وما يزيد على ذلك من الجرحى والمعوقين والمفقودين بالاضافة الى الدمار والهجرة والتهجير.

والتذكير ليس لمجرد الذكرى بل للتحذير من محاولات الخروج على الطائف وطرح المثالثة وغيرها من الصيغ التي لن تؤدي الاّ الى الفتنة.

وليكن واضحاً. نعم ليكن واضحاً. اذا ارتضينا بتفاهم ظرفي في الدوحة تحت وطأة السلاح، وبمساعٍ قطرية مشكورة، لن نقبل قطعاً لا بدوحة 2 ولا بطائف 2 ولا باي مسّ بالصيغة تحت ضغط فريق يحاول الاستقواء على الآخرين بالسلاح. صحيح ان الدساتير ليست منزلة وهي قابلة للتطوير.لكن التطوير كي يبقى تطويراً وليس انقلاباً او الغاءً للآخر، يجب ان ينبع من قناعة حرّة ومشتركة بين كل المكوّنات وليس ان يكون نتاجاً لموازين قوى ظرفية وقاهرة، في ظلها لا معنى للشراكة ولا استقامة للوطن.

الاستقرار والوفاق لا يستقيمان الاّ برفض زج لبنان في لعبة المحاور والاصطفافات او جره الى معارك لا حول ولا طاقة له على تحملها.

فلنرفض لبنان الساحة. انه مشروعُ فتنةٍ دائمة بل مشروع دمار وهجرة وتهجير.
ولنبني معاً لبنان الوطن والدولة، الريادي في الدفاع عن هويته العربية وقضاياها المحقة، والملتزم بالشرعية الدولية كما نص عليه دستورنا، والمتمسك بعلاقاته الندية والمتوازنة مع كل الدول الشقيقة والصديقة.

ان هذا اللبنان هو مشروع حياة وتفاعل وحوار وسلام.

هذه قناعتنا. هذه ثوابتنا. بنينا عليها قرارَنا الشجاع بطيِّ صفحة الماضي مع سوريا والتأسيس لصفحة جديدة من الاحترام المتبادل والعلاقات الندية والمستدامة التي تحكمها المصالح المشتركة بين البلدين.

نعم بنينا عليها قرارنا بدعم جهود فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وبدعم مبادرة دولة رئيس الحكومة الشيخ سعد الحريري وكلها من اجل مصالحة جدية صادقة ومستقبل واعد.

نعم طيُّ صفحة الماضي وفتحُ صفحةٍ جديدة.

نحن مقتنعون بان لبنان ليس جزيرة معزولة ولا انعزالية. ولكن هل بات الغيرُ مقتنعاً بأن لبنان ليس محافظة ولا قطراً ولا اقليماً ولا ورقة ابتزاز ومساومة، بل دولة سيّدة حرة مستقلة. ان التجربة حتى اليوم مخيّبة ومحبطة:

-  من الاستقبالات غير الرسمية والتصريحات العلنية لبعض المسؤولين السوريين وتردداتها في الداخل
- الى مذكرات التوقيف القضائية السياسية
- الى التلكؤ في ترسيم الحدود
- الى انعدام اية مقاربة جدية لملف المعتقلين والمفقودين
- الى استمرار وجود السلاح الفلسطيني خارج المخيمات بالرغم من الاجماع اللبناني على نزعه
- الى تدفق السلاح عبر الحدود خلافاً للقرار 1701
كل ذلك يعود بنا بالذاكرة الى زمن الوصاية ويؤشر الى الامعان في محاولة استعمال لبنان ورقةً لعقد صفقات شَهدنا احد فصولها في العراق، وكل ذلك، ويا للأسف، برضىً ومشاركةٍ من بعض الداخل.

ايها السيدات والسادة،
المعركة في لبنان هي معركة نظام وكيان بالنسبة الى كل السياديين.

انها كذلك معركة بقاء ووجود خصوصاً بالنسبة الى المسيحيين. ولنا في العراق المثل والعبرة.

وهنا اتوجه الى المسيحيين لأقول: وجودنا في لبنان وفي هذا الشرق العربي ليس طارئاً او صدفةً. نحن ابناءُ هذه الارض وفيها متجذرون.

نحن ابناء الحرية قاومنا الاضطهاد وكلَّ محاولات الالغاء تشبثاً بها. وبقينا.

نحن دعاةُ تفاعلٍ وتواصلٍ وحوار، هذا هو تراثنا. نحن دعاة حداثة وسلام يشهد لنا عليه تاريخُ كنيستنا ومطبعة قزحيا والنهضة العربية.

وجودنا مرتبط بهذا النضال بل بهذه الثوابت والقيم التاريخية.

نعم . وجودنا مرتبط بالدفاع عن الثوابت التاريخية الكيانية والميثاقية التي تجسدها الكنيسة.

فلنتبنَّ هذه الثوابت ولنتوحد حول بكركي بدلاً من التنكر لدورها والادعاء الفارغ بالوقوف امامَها او وراءها.

لا دور للمسيحيين في لبنان وفي الشرق بالانعزال والانكفاء بل بالتفاعل مع الشريك الداخلي والمحيط العربي والاسلامي.

فنظرية الحياد في الصراع القائم في لبنان والمنطقة تحت شعار انه صراع سني شيعي لا علاقة للمسيحيين به، هي نظرية مضللة وباطلة.

صحيح. إن يقم صراع ذات بعد مذهبي، بقاؤنا على الحياد يعني ان نعمل على كلمة سواء.

اما ان يكون الصراع كما هو الحال بين الاعتدال والتطرف، فخيارنا هو الاعتدال في مواجهة التطرف، مسيحياً كان ام اسلامياً ، سنياً كان ام شيعياً ام الاثنين معاً.

فالتطرف يحمي التطرف، وخير دليل دعم الاديولوجيات السياسية والدينية بعضُها للبعض الآخر، من فلسطين الى لبنان الى العراق الى ايران الى غيرها من الدول والساحات.

نعم. التطرف يحمي التطرف، بل يغذي ايضاً آخر اخطر واسوأ هو التطرف الاسرائيلي، الذي يقتات من مثيله في الطرف الآخر ليبني شرعية وجوده ومشاريعه داخلياً ودولياً. فالتطرفان يتقاطعان في تعطيل كل المبادرات العربية للوصول الى سلام عادل وشامل، فيبقيان المنطقة في دوامة العنف والفوضى ومشاريع الحروب الدائمة. وهذا ما يشكل خطراً وجودياً على المسيحيين. وليس من الصدفة ان يهجّر المسيحيون ويقتلوا في فلسطين والعراق مثلاً على ايدي منظومة التطرف بتشكيلاتها المختلفة.

نعم اقولها بالفم الملآن: الوضع المسيحي لن يكون بخير الا عندما يكون الاعتدال الاسلامي، السني والشيعي، بخير. وايّ تخلّ او تقصير من قبلنا في الشراكة مع الاعتدال الاسلامي يضع الوجود المسيحي في خطر فينطبق عليه القول:" اكلت يوم أكل الثور الابيض".

والاكيد اننا في لبنان لن نكون على الحياد في معركة الحفاظ على الكيان والسيادة، في الحفاظ على الصيغة والنظام التعددي الديمقراطي، في الحفاظ على الدولة والشرعية، في الحفاظ على الجمهورية ومؤسساتها وعلى الحريات والعدالة.

هذه هي هويتنا وضمانتنا وليس اي تفاهم ظرفي مصلحي، يشكّل في الواقع غطاءاً بل خضوعاً لمنطق السلاح غير الشرعي، لمنطق الدويلة، لمنطق التطرف والاستقواء، لمنطق تقويض الدولة للإنقلاب على الجمهورية.

هذه هي الذميّة بعينها التي لم تحمِ ولن تحمي المسيحيين بل تؤسس للخطر على لبنان الهوية والكيان والوجود، وبالتالي عليهم.

من هنا نعتبر ان اي اعتداء على اي مواطن لبناني الى اي منطقة او طائفة انتمى هو تعدٍ على النظام واعتداء مرفوض كلنا معنيون بالتصدي له حفاظاً على الجمهورية.

يا احباء رينه معوض ،
"لا وطن، ولا دولة، ولا كيان، دون وحدة الشعب. ولا وحدة دون وفاق. ولا وفاق دون مصالحة. ولا مصالحة دون تسامح وتضحية، ولا شيء من كل هذا دون ايمان ومحبة."

هذا الكلام للرئيس رينه معوض عشية استشهاده. وما اشبه اليوم بالامس. فبعد واحد وعشرين عاماً، وفي هذه الظروف بالذات، لنتعظ من هذه الوصية ولنختصر المسافات حفاظاً على الجمهورية.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
1.00