الرئيسية | بأقلامكم | صدّق أو لا تصدّق... الحل لبناني

صدّق أو لا تصدّق... الحل لبناني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

التوتير الامني مرفوض

لم يتمالك الرئيس السوري ضحكته حين قال للصحافيين في باريس ان بلاده لا تتدخل في الشان اللبناني. قبل ذلك كان قال ان "الحل (للأزمة الراهنة) لبناني وليس سورياً او فرنسياً او سعودياً". طبعا، هناك ما يضحك، لا لشيء، وانما لان الحل ليس لبنانيا، ولسبب بسيط هو ان الازمة نفسها ليست لبنانية فحسب. وللدلالة الى ذلك أستعيد خطاب التهديد والوعيد، بعد هدنة غير معلنة، سواء لدى "حزب الله" او لدى حلفائه من المحسوبين على سوريا.

لا بد من تسجيل ان الرئيس بشار الاسد ابدى اكثر من مرة، في حديثه مع الرئيس الفرنسي، معارضة اي تدهور امني في لبنان. فالخشية هنا هي من تدخل اسرائيلي يمكن ان يذهب بالوضع في وجهة اخرى والى مكان مجهول. ثم ان هناك الدور الايراني الذي باتت له حسابات لبنانية خاصة، بتنسيق جزئي او كلي مع سوريا، وحتى "حزب الله" له استقلالية نسبية في اتخاذ قراراته في ضوء الموقف الايراني اولا، ووفقا لمتطلبات حماية سلاحه.

اشتد الضغط اخيرا من جانب "حزب الله" على المساعي السعودية – السورية، حتى بلغ حد الامهال "اربعة خمسة ايام" التي يعتقد الحزب انها تفصله عن تسليم المدعي العام دانيال بلمار نص القرار الظني او الاتهامي الى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين. ما يعني ان مرحلة اساسية في الحملة على المحكمة الدولية تكون انتهت من دون اي انجاز، فلا الغاء للمحكمة او للقرار الظني. كان "حزب الله" كسب شيئا من التلويح بتهديد الاستقرار الداخلي لو أنه استدرج تدخلات عربية ودولية لتعمل على ايجاد مخارج وارضائه بأي شكل قبل صدور اي اتهامات ضد عناصره وليس بعدها. واذ يبدو ان هذا الهدف لم يتحقق، فلا بد للحزب اذاً من ترجيح خيار زعزعة الاستقرار، على قاعدة ان الاتجاه الى اصدار القرار الظني يعني ان "المؤامرة على المقاومة" ماضية في طريقها، وبالتالي تجب مواجهتها بتغيير الواقع الحالي في الداخل.

كانت هناك دائما معالم لحل في الاطار اللبناني لمن يريد ان يعمل لتفعيله، لكن بافكار متوازنة وواقعية لا تعجيزية، وبحرص على الاجهاض المسبق للفتنة لا بتسميم الخطاب وتهديد مناخات التعايش. ومن الواضح ان دعاة الغاء المحكمة الدولية قد اعدموا مقومات الحل الداخلي، اذ اصطدموا بحقيقة ان هذا الحل لا يمر الا بتعزيز مكانة الدولة فوق الجميع ومنطق الامن للجميع، واستطرادا العدالة للجميع، وكل ذلك لا يتناسب مع الشحن السياسي والاعلامي الذي انخرطت فيه المعارضة للمحكمة الدولية، ولم تعد تبالي بالاستقرار، بل لا ترى فيه مصلحة لها. وبدل المراهنة على الدولة والحوار، وعلى بناء مناعة ووقاية داخليتين من تداعيات الاتهامات في قضية الاغتيالات، فضّل "حزب الله" المراهنة على حل يفترض ان ينبثق من توافقات الخارج وتناقضاته، واذا لم يتوافر هذا الحل بالشكل الذي ينشده الحزب فإنه يعود الى التهديد بالعبث بالوضع الداخلي.

والحاصل ان الخارج ارسل للجميع خلال الاسبوعين الاخيرين اشارات واضحة وقوية بان حلول التأجيل او الالغاء غير متاحة، وان التوتير الامني مرفوض. وآخر هذه الرسائل حملها نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر سلطانوف، وكان سبقه رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان وموفدون آخرون، وتلاقى مضمون هذه الرسائل مع التفاهمات السعودية – السورية التي تشدد ايضا على عدم السكوت ازاء اي قرار اتهامي هزيل وغير مهني بل سيصار الى التنصل منه. وكانت مداولات الـ "س – س" طرحت فكرة تشكيل لجنة لبنانية للاتصال بالمحكمة الدولية، بموافقة مجلس الامن، بغية معاينة المنهجية التي اتبعها التحقيق واحاطة المحكمة بالهواجس المتعلقة بالوضع اللبناني. لكن هذه الفكرة احبطت لبنانيا، اذ اعتبر رافضوها ان هدفها ازالة الشكوك واعادة الاعتبار الى صدقية لم تعد المحكمة تتمتع بها، في نظرهم، ولعل هذه الفكرة كانت الوحيدة الممكنة نظريا في مرحلة ما قبل صدور القرار الاتهامي. كل الافكار الاخرى تتعلق بما بعد القرار وترمي الى خلق مناخ داخلي يساعد على دورة الفتنة، وهي تتناول آليات حوارية تبادر الحكومة ولجنة الحوار الى ادارتها سواء في مواجهة ردود الفعل على الاتهامات او معالجة ملف شهود الزور او كيفية التعامل لاحقا مع المحكمة، ودائما على قاعدة ان تحصين الداخل امنيا وسياسيا سيحول دون اي استغلال اسرائيلي او اسرائيلي – اميركي او ايراني للاتهامات وما بعدها.

ليس سرا ان "حزب الله" يستطيع تنفيذ اي من السيناريوات التي يروّج لها، لكنه اصبح يعرف الآن ان استخدامه السلاح وسطوته للرد على الاتهامات المحتملة لا يلقى اي تعاطف او تفهم في الخارج. وباستثناء ايران المنهمكة بتداعيات العقوبات عليها وبتطور المفاوضات بينها وبين الدول الكبرى، لكن المستعدة لدعمه في مختلف الظروف، فان "حزب الله" قد لا يجد اي طرف خارجي آخر يبارك توريطه نفسه ولبنان والمنطقة في لعبة لا داعي لها. واذا كان قادته يتوعدون الطرف الآخر بقولهم "سيخسرون الكثير"، فإن مكابرته وإحجامه عن ترجيح الحل اللبناني تشجع الآخرين على القول لاحقا انه سيندم كثيرا كثيرا...

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0