الرئيسية | بأقلامكم | كتاب مفتوح الى الدولة اللبنانية: ألا يستحق يوسف بك كرم أكليلاً من الزهر؟

كتاب مفتوح الى الدولة اللبنانية: ألا يستحق يوسف بك كرم أكليلاً من الزهر؟

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image يوسف بك كرم

واحد من القادة الذين يتعين ضم أسمهم الى لائحة رجالات الاستقلال

" ابناء وطني، ليمتنع كل منكم على الأقل من المساعدة لأخصام حقوق وطنهم، ولنلق عنا مبادىء التقسيم الطائفي، ولنعلم اننا شعب واحد لبناني واخوان بالوطن من قديم الدهر، ولم يعترنا الذل في احد الاوقات، إلا اذا كانت تدخل بيننا الانقسامات.."  من رسالة بطل لبنان يوسف بك كرم الى اللبنانيين عام 1866.

(لمناسبة عيد استقلال لبنان، وضع وزير الدفاع الياس المر، ممثلا الرؤساء الثلاثة، اكليلا من الزهر على تمثال الامير فخر الدين امام مدخل وزارة الدفاع في اليرزة.)

فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، دولة الرئيس سعد الحريري، دولة الرئيس نبيه بري، تحية لبنانية لكم من اوستراليا وبعد.. نرجو منكم الاهتمام بهذا الموضوع الوطني بالرغم من أشغالكم وهمومكم الوطنية الكثيرة، ولكم الشكر والتقدير..

أستهلالاً لا بد من التنويه بأن كافة الرؤساء والقادة الذين تقدم الدولة اللبنانية على تكريمهم يوم عيد استقلال لبنان من كل سنة يستحقون هذا التكريم الرسمي وهذه الالتفاتة الوطنية الكريمة، فمنهم من أستشهد ومنهم من سجن ومنهم من عمل جاهداً في سبيل نيل الاستقلال والمحافظة عليه. وما نطرحه في هذا الكتاب المفتوح لا يراد منه التقليل من شأن أحد، بل يراد منه أحقاق الحق بغية ان يضاف الى قائمة رجالات الاستقلال من ينبغي ان يكون عليها منذ زمن بعيد.

ومما لا شك فيه كذلك ان الامير فخر الدين يستحق كل التكريم يوم عيد الاستقلال وهو أعظم شخصية وطنية عرفها لبنان في القرنين السادس عشر والسابع عشر. غير ان السؤال الذي يطرح نفسه، ونطرحه بإلحاح هو : من يشرف على تصنيف القادة الذين يتم تكريمهم وما هي الخلفية المعتمدة!. فأن كان القاسم المشترك بين رجالات الاستقلال يكمن في الدور الذي لعبوه بغية الحصول على الاستقلال، وهو كذلك، من المستغرب ومن المستنكر ان يتم التمادي في التعتيم المتعمد على يوسف بك كرم والاصرار على تجاهل دوره وتغييب أسمه عن قائمة الذين يستحقون التكريم، وكأن هذا القائد اللبناني الذي نادى بالحكم الوطني في القرن التاسع عشر، وتحديداً قبل 77 سنة من تاريخ استقلال لبنان،  ما زال ضحية المحاور الطائفية والسياسية الضيقة وضحية الأهمال والتجاهل والظلم.

المعروف ان الامير فخر الدين الكبير أستشهد في 13 نيسان 1635 عندما أعدمته السلطنة العثمانية أي قبل نحو ثلاثمئة سنة من نيل لبنان أستقلاله. وهنا وبسبب العامل الزمني الطويل من البديهي ان تنتفي الاستمرارية الفعلية والصلة المباشرة بعملية الحصول على الاستقلال عام 1943 من دون ان يعني ذلك ألغاء الصلة المعنوية مع تاريخ ذلك القائد العظيم وفكره الاستقلالي وأهمية رؤيويته الوطنية والمؤسساتية. لكن مكانة فخر الدين وموقعه كأحد كبار رجالات لبنان تم المحافظة عليهما بفضل الذين أنصفوه عبر سعيهم الدؤوب الى أبقاء شعلة رصيده التاريخي مضيئة، وقد نجحوا في مسعاهم بعدما تمكنوا من تجاوز شتى العوائق الطائفية والفئوية التي تتحكم بلبنان الحديث ودولته.

اما يوسف بك كرم الذي توفي في منفاه عام 1889 فقد حورب في حياته من جراء رفضه الحكم الاجنبي، وحورب ايضاً في منفاه وبعد مماته وما زال يتعرض الى شتى انواع المحاربة بما فيها تشويه الحقائق ومحاولة طمس سيرته ونضاله وافكاره ونكران فضله المباشر في تمهيد الطريق الى استقلال لبنان من السلطنة العثمانية. ولم يأت حتى الآن من يتجرأ على طرح قضية يوسف بك كرم في اوساط الدولة اللبنانية سعياً وراء أنصافه كواحد من اوائل الذين طالبوا بالاستقلال عبر تمسكه برفض الحكم الاجنبي وكواحد من القادة الذين يتعين ضم أسمهم الى لائحة رجالات الاستقلال، إما بحجة عدم اثارة "العصبيات الطائفية" واما بسبب المراوحة ضمن مستنقعات السياسات الضيقة واما بسبب غياب الرغبة العلمية في اجراء دراسة حقيقية تشمل تاريخ كرم الحافل بالانجازات الوطنية والعسكرية والفكرية والانسانية والقومية.

لقد خبر يوسف بك كرم في حياته مثل كل القادة السياسيين التأييد والرفض وقد يكون له ايجابياته وسلبياته في العمل السياسي كما هي حال كل من يتعاطى في الشأن العام، وكان قد تعرّض الى النقد مثلما نال قسطه من الاشادة. كما أنصفه بعض المؤرخين وأهمله قسم منهم وتناوله القسم الآخر بصورة مشوهة تستند الى ما كتبه عنه أخصامه في ذلك الزمان عوضاً من الاستناد الى كافة المراجع والمصادر لأصدار دراسات علمية وموضوعية حوله. غير انه من المؤسف ان الدولة اللبنانية لم تعثر في عشرات الكتب والدراسات والتحقيقات التي تناولت مرحلة كرم وشخصيته ورصيده ما يجعلها تعيد النظر بموقفها منه ومراجعة "قرار" تغييبه والتعتيم عليه ولم تستند ألا الى المراجع المنحازة والمحرفة.

معظم الكتب والدراسات التي تناولت حياة يوسف بك كرم أجمعت على التأكيد أنه إعتمد سياسة وطنية سعت الى قيام دولة لبنانية مستقلة، وبادر الى طرح منطق العلمانية في عملية إرساء الدولة المدنية، وبناء علاقات بناءة مع العرب وكان أول الداعين الى قيام فدرالية عربية تحافظ على حقوق العرب.

وقد رفض كرم القبول بحاكم أجنبي وتصدى الى إهانة شعبه من خلال إخضاعه لحكم غريب وكأن لبنان حينها  يفتقر الى القيادات والكفاءات. وبموقفه هذا أطلق كرم مسيرة إستقلال لبنان الحديث وشق الطريق الوعرة الى السيادة الوطنية.  وقد بذل يوسف كرم كل ما بوسعه لتجنب إندلاع الحرب مع العثمانيين، لكنه عندما وجد انه لا مفر من المواجهة خاض غمارها ودحر جحافل الأتراك مع رجاله في كل المعارك ولا سيما في بنشعي. ولم ينهزم يوسف كرم في كل المعارك، ومع ذلك عندما خُير بين المزيد من الحروب والدمار والموت وبين المنفى، إختار المنفى، بعدما كان ورجاله على أبواب بيت الدين التي فر منها الحاكم الأجنبي، قائلاً "فلأضّح انا وليعش لبنان" بعدما تعهدت الدول الكبرى العمل على تحقيق مطالبه الوطنية.

يقول يوسف بك كرم في رسالة وجهها الى اللبنانيين في 20 حزيران 1866 "..لقد حوربت لأنني طلبت تأييد الحق الوطني، أي حق جميع أخوتنا بالوطن الى اي طائفة أنتموا... ودولة المتصرف الاجنبي يريد استئصال اسمي من بين ابناء وطني لرؤيته المحبة المتبادلة بيني وبينهم، كي لا يعود احد يجسر على مقاومة ارادته غير المستقيمة والجانحة الى استعبادنا..." ويضيف كرم " ابناء وطني، ليمتنع كل منكم على الأقل من المساعدة لأخصام حقوق وطنهم، ولنلق عنا مبادىء التقسيم الطائفي، ولنعلم اننا شعب واحد لبناني واخوان بالوطن من قديم الدهر، ولم يعترنا الذل في احد الاوقات، إلا اذا كانت تدخل بيننا الانقسامات..".

ألا يستحق صاحب هذا الكلام الوطني النبيل اكليلا من الزهر يوضع على ضريحه في كاتدرائية مار جرجس في اهدن يوم عيد استقلال وطن طالب به وناضل من اجله وأضطهد وتعرض الى النفي بسبب اصراره على الحكم الوطني فيه !! وهل يجوز ان يستمر الى اليوم الالتزام بقرار السلطنة العثمانية القاضي ليس فقط بإبعاد يوسف كرم عن لبنان، بل ايضاً في الامتناع عن ذكره وتكريمه والأقرار بسيرته وتضحياته هو ورجاله في التصدي للظلم والاستعباد والوصاية الغريبة!!

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0