الرئيسية | بأقلامكم | شكوى الطائفية ضد اللبنانيين

شكوى الطائفية ضد اللبنانيين

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

"الخليج" الاماراتية

للطائفية شكوى مريرة ضد اللبنانيين . أنهم لا يكفون عن انتقادها وعن توجيه الاتهامات والافتراءات اليها، وهم يحملونها مسؤولية كل علة يعانون منها . إنها عدو الحكم الرشيد، ومصنع الفساد، وحاضنة التخلف، وأساس الضعف والهوان الوطني، وبيت العجز والفشل، وحصن المظالم الاجتماعية . وإذ يجنح أهل الفكر والسياسة بين اللبنانيين إلى التبسيط، فإنهم يؤكدون ويجزمون بأن خلاص لبنان من الطائفية ليس مدخلاً إلى الانقاذ، بل هو الخلاص في حد ذاته .

الطائفية تشكو من هذا العداء ومن سيل السباب والشتائم الذي يكال لها في كل مناسبة، ومن أبلستها من دون رحمة أو شفقة، ومن السببية الآحادية التي تجعلها مصدراً للشرور قاطبة . ولكن الشكوى الحقيقية ليست هنا، بل في مطرح آخر . فالطائفية فيها شيء من صفات الضيف . إذا شعرت أنها اثقلت على صاحب الدار، وتجاوزت إقامتها الحدود المسموح بها وأنها باتت مسبباً للضيق والانزعاج، فإنها لا تمانع في الرحيل قبل أن تتعرض إلى الطرد المهين . عندها، يهرع اللبنانيون إلى استبقائها بكل وسيلة من الوسائل، والى تحميلها هي دون غيرها مسؤولية أي ضرر يلم بلبنان بعد مغادرتها أراضيه . هكذا تواجه الطائفية الالتباس وتعاني من التوتر الدائم في علاقتها مع اللبنانيين، فإن استقرت في لبنان تعرضت إلى الذم مرة، وإن قررت شد الرحال بعيداً عنه تعرضت إلى الذم مرتين: واحدة بسبب ما فعلته بلبنان عندما أقامت فيه، وأخرى بسبب ما ستنزله به من ضرر وأذى إذا ابتعدت عنه .

حال الطائفية هذا يقابله حال الفئوية، التي تشمل أنماطاً شتى من العصبيات مثل القبلية والمحلوية والعشائرية والعرقية، في أكثر من بلد عربي: في العراق، والسودان، والصومال، والأردن، واليمن والجزائر والمغرب . وفي كل بلد من هذه البلدان تحمل هذه العصبيات والمنتمين إليها وحملة مطالبها مسؤولية ما تعانيه هذه البلدان من المصاعب والمتاعب . وفي كل من هذه البلدان يرى المعنيون بمستقبلها وبمسألة الوحدة الترابية أن القضاء على هذه النزعات الفئوية وعلى العصبيات والولاءات الأولية يحل المشاكل والمعضلات التي تعاني منها هذه البلدان . هذه النظرة تطرح سؤالين رئيسيين: الأول، هو مدى صواب هذه النظرة، أي هل صحيح أن تذويب هذه العصبيات عبر الهوية الوطنية الجامعة يحل المشاكل الكبرى التي يعاني منها هذا البلد أو ذاك؟ الثاني، هو ما هو الطريق إلى تغليب الهوية الوطنية على الهوية العصبية؟

حاول القادة اللبنانيون الذين عقدوا مؤتمراً برلمانياً قبل 21 عاما في مدينة الطائف السعودية الجواب على هذين السؤالين عبر اتفاق الطائف . حظي هذا الاتفاق بقبول أكثرية الأطراف اللبنانية وكذلك بقبول الأسرة العربية والمجتمع الدولي . وتحول الميثاق إلى أساس للتعديلات الدستورية التي ركزت بصورة خاصة على تسوية العلاقة الملتبسة بين لبنان والطائفية . فهذا هو الطبق الرئيسي على مائدة الطائف . هذا المسعى يبرز صراحة عندما يدعوالاتفاق إلى إلغاء الطائفية السياسية، ويظهر مداورة في العديد من مواد أخرى عندما يدعو إلى توسيع صلاحيات مجلس الوزراء وتحقيق الإنماء المتوازن، وغير ذلك من الاقتراحات المشابهة . فهل نجح الطائف في هذا المسعى؟

حقق الطائف نجاحا ملحوظا في إيقاف الحرب والاقتتال، وفي التأكيد على إخطار الطائفية ومضارها، ولكنه لم ينجح في النهوض بلبنان من كبواته ووضعه على طريق الإصلاح، ولا في إخراج لبنان من تغليب الفئوي على الوطني فما هو سبب ذلك القصور؟ لقد تعددت الإسباب التي أدت إلى هذه النتائج وكان من أهمها عدم تطبيق الطائف بل عدم تطبيق مواد أساسية فيه .

في مقدمة هذه البنود كان البند المتعلق بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية . تناول هذا البند الغاية الأهم التي سعى اتفاق الطائف إلى تحقيقها، ولكن مضى عقدان من الزمن ولم يوضع هذا البند موضع التطبيق . وعندما حاول رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري تحريك هذه المسألة قبل أسابيع قليلة وتشكيل الهيئة اصطدم بمعارضة قوية جعلته يتراجع عن مسعاه وترحيل الهيئة الموعودة إلى موعد غير مسمى . وحيث إن النخبة السياسية اللبنانية وربما كثرة اللبنانيين تعتبر أن الطائفية هي أصل العلل في لبنان، فقد ترجم التراجع عن تشكيل الهيئة على أنه من قبيل الحفاظ على "الوضع الراهن" المتردي في البلاد، ومبرراً للتقاعس عن تحقيق الإصلاح في أي مجال من مجالات الحكم .

لئن كان السبب الأول لقصور الطائف عن تحقيق الإصلاح الموعود هو الامتناع عن تنفيذ بنود رئيسية فيه، فإن السبب الثاني والأهم لهذا القصور هو تركيز الطائف على المسألة الطائفية بصورة شبه حصرية واعتبارها هي المدخل لحل كافة المعضلات التي يعاني منها لبنان . إن الحد من تفاقم العصبيات والفئويات وإبقاءها في حيز التنوع المجتمعي والثقافي الخالي من المواجهات السياسية هو شرط ضروري لتحقيق الإصلاح على الصعيد الوطني، ولكنه ليس كافياً لتحقيق مثل هذا الإصلاح . فقد ينجح الحكام في إضعاف العصبيات الطائفية أو الاثنية أو العرقية في لبنان وغير لبنان، ولكن هذا لا يضمن، في حد ذاته تعبيد الطريق أمام تحقيق الإصلاح السياسي الديمقراطي الذي يضمن حرية الأفراد والجماعات التي يتكون منها المجتمع، أو الإصلاح الاجتماعي الذي يضمن المساواة بين المواطنين، أو الإصلاح الثقافي الذي يضمن العلم للجميع وفتح مسارات الابداع أمام المتفوقين ونهوض المجتمع بأسره .

ان التخفيف من غلواء الانقسامات الفئوية في المجتمعات العربية يخلق مناخاً أفضل من أجل الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي . ولكن التقدم على طريق هذا الإصلاح يساهم مساهمة حقيقية في الحد من العصبيات الفئوية، ونقلها من خانة الأمراض التي تفتك بالمجتمعات العربية إلى خانة عناصر رئيسية في إغناء هذه المجتمعات بالمتنوع من الثقافات والمتعدد من التقاليد الحضارية والسلوكيات البشرية .

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0