الرئيسية | بأقلامكم | "المستقبل": "الحق على الطليان"

"المستقبل": "الحق على الطليان"

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

شارل جبّور

أي مراقب لسلوك تيار "المستقبل" في الأشهر الأخيرة يتوقف أمام انفعالية قيادته خلافا للميزة التي تمتع بها الشهيد رفيق الحريري عندما كان يواجه الأوركسترا المعهودة التي تنظِّم الحملات المسعورة ضده بأعصاب باردة وابتسامة ساخرة تهزأ من أصحابها كونهم مجرد أبواق لدى الجهات المعلومة.

وما انطبق على الرئيس الشهيد انسحب بدوره على الرئيس فؤاد السنيورة الذي ترجم وطبّق ومارس ما قاله عن نفسه وتعلمه من والده بان "يعلك المياه" و"يعلك الهواء"، الأمر الذي أربك خصومه بقدرته الفائقة على ضبط أعصابه وانفعالاته، فكان رجل دولة بامتياز شأنه شأن الشهيد الحريري.

وفي سياق التفسيرات التي أعطيت لهذا السلوك الجليدي ان الطائفة السنية هي "عدد ومدد وأمة" كما قال يوما الوزير نهاد المشنوق، فيما الطوائف الأخرى في لبنان تمزج بين كونها أقلية لديها هاجس القلق الوجودي غير الموجود لدى السنة، وبين ان جذورها "جبلية" لا "مدنية"، بمعنى ان طبائع اهل الجبال تختلف عن طبائع أهل المدن.

ولكن هذا السلوك الذي ميّز الطائفة السنية وتحديدا تيار "المستقبل" شهد تبدلا مع الرئيس سعد الحريري الذي لم يستطع، على سبيل المثال، ان يكتم انفعاليته بعد تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، إذا بدا غاضبا ومتجهما في اللقاء البروتوكولي الذي جمعهما، وذلك في صورة غير مسبوقة بين السياسيين اللبنانيين او نادي رؤساء الحكومات.

وهذا الجانب الشخصي لم يكن مجرد استثناء يتصل بإسقاط "حزب الله" لحكومته، بل تحول إلى قاعدة في علاقته مع الحلفاء والخصوم في آن معا، حيث ان ردوده غالبا ما تكون فورية ولا تخلو من الحدية، كما لا تأخذ في الاعتبار التداعيات التي يمكن ان تخلِّفها على غرار ما حصل في "البيال" في مشهد غير مألوف أيضاً عندما فجّر الحريري غضبه باتجاه الدكتور سمير جعجع علانية وفي مناسبة تخصه على خلفية رفضه لمبادرته الرئاسية، ولولا حكمة جعجع واستيعابه الموقف لكانت الأمور اتخذت منحى مختلف تماماً.

فالرئيس الحريري أقرب في طباعه إلى الأقليات القلقة منه إلى الأكثرية التي ينتمي إليها، وهو بعيد كل البعد في طباعه عن مدرسة الشهيد رفيق الحريري والرئيس فؤاد السنيورة، ولكن الأمور لم تقف مع رئيس "المستقبل" عند هذا الحد، حيث ظهر في الانتخابات البلدية بانه ليس متسرعا فقط في الردود السياسية الفورية، إنما في تحميل المسؤوليات لغيره وقبل صدور النتائج، وتحول معه مصطلح الغدر إلى جزء لا يتجزأ من أدبياته السياسية.

فما حصل في انتخابات بيروت، بالنسبة إلى وئيس "المستقبل"، تقع مسؤوليته على "المسيحيين الخونة"، ولا حاجة طبعا للاعتذار او التوضيح بعد ظهور النتائج التي دلت على اقتراع عقابي ضد "المستقبل"، فيما المسيحي لا يلام لجملة اعتبارات تبدأ من عنوان المعركة التي حولها الرئيس الحريري إلى استفتاء على زعامته البيروتية، ولا تنتهي بتمنينه بمناصفة بلدية وحجبها عنه في النيابية، وما بينهما هامشية دوره في تسمية اللائحة واختيار رئيسها، ومن دون التقليل من أداء المجلس السابق...

وما حصل في بيروت تكرر في طرابلس، إنما التخوين هذه المرة طال الوزير أشرف ريفي عوضا عن المكونات الحليفة له في اللائحة على غرار اللائحة البيروتية، ولكن الملفت ان "المستقبل" لم يحاول البحث عن الأسباب الكامنة وراء هذا الاقتراع في بيروت وطرابلس، بل ذهب مباشرة إلى رفع المسؤولية عن نفسه ورميها على الآخرين على الطريقة المعهودة او المثل الشائع "الحق على الطليان".

وهذا الهروب إلى الأمام لن يؤدي سوى إلى تراجع "المستقبل" داخل بيئته، لأن المعالجة لا تكون بالمكابرة، بل بالاستماع إلى صوت الناس وشكرهم على اقتراعهم والتشديد ان رسالتهم وصلت والدعوة الى ورشة تنظيمية وسياسية مفتوحة من اجل الخروج بخريطة طريق جديدة ومتجددة.

ومقاربة الرئيس الحريري في البلديات لم تختلف عن مقاربته النيابية والرئاسية، حيث ان الحريري لم يسأل نفسه عن الأسباب التي دفعت الدكتور جعجع إلى تبني المشروع الأرثوذكسي الذي أثار ما أثاره من خلافات، وهي متصلة بالوجع المسيحي من غياب الفعالية المسيحية التي تشكل الانتخابات النيابية مدخلها الأساس، بل على رغم كل الصولات والجولات بين جعجع والحريري حول ضرورة تغيير القانون الحالي وأهمية قانون الانتخاب بالنسبة إلى المكون المسيحي، خرج الحريري بتصريح مؤخرا يستغرب فيه "كيف ان بعض حلفائنا الذين ربحنا الانتخابات معهم في العام ٢٠٠٩ يريدون تغيير قانون الانتخاب"، وهو يقصد تحديدا الدكتور جعجع الذي يدفع باتجاه إقرار قانون جديد يصحح الخلل في التمثيل السياسي المسيحي تجسيدا للميثاق الوطني ومندرجات الدستور، ولكن إن دل تصريح الحريري على شيء، فعلى انه لم يستخلص شيئا من كل الخلاف حول قانون الانتخاب، وانه لا يكترث إلى المطلب المسيحي المتصل بغياب القدرة على استعادة الشراكة والحضور والدور.

ولم يشذ الرئيس الحريري عن القاعدة نفسها في تحميل غيره المسؤولية، فيما لو أخذ في الاعتبار الهاجس المسيحي منذ انتخابات ٢٠٠٩ لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، ولكن دائماً "الحق على الطليان".

وفي الانتخابات الرئاسية وصل الأمر بالرئيس الحريري إلى درجة تحميل الدكتور جعجع مسؤولية الإطاحة بمبادرته ترشيح النائب سليمان فرنجية، وكأن المطلوب من رئيس "القوات" ان يبصم على ما يقوم به رئيس "المستقبل" الذي يتحمل في هذا الملف إيضا مسؤولية الخلاف الذي نشأ بينه وبين الدكتور جعجع، لأن المبادرة في هذا الملف يجب ان تكون بيد رئيس "القوات" على غرار وضعها من قبل "حزب الله" في يد العماد ميشال عون، ومن ثم تفرُّد الحريري لم يؤد إلى أي نتيجة رئاسية، بل فاقم الخلافات الداخلية، ودائما "الحق على الطليان".

ويبقى انه من حق "المستقبل" ان يعتبر نفسه فوق المحاسبة و"معصوم عن الخطأ"، ولكن عليه في المقابل ان يتحمل تبعات هذه السياسة التي أدت إلى تصدُّع ١٤ آذار وتراجع شعبيته، وهذا لا يعني رفع المسؤولية عن غيره، إنما المدخل إلى تصحيح الخلل الفاضح الذي ظهر في طرابلس وعكار وغيرهما يبدأ بالإقلاع عن لازمة "الحق على الطليان".

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0