الرئيسية | بأقلامكم | أيتام البقاع الشمالي يحمون الدولة «الطافرة»

أيتام البقاع الشمالي يحمون الدولة «الطافرة»

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

سعدى علوه

السفير

ينقص البقاع الشمالي ضيعة درزية جميلة لتكتمل فسيفساء المنطقة الطائفية في لبنان «الرسالة».

فالتنوع الديموغرافي من الهرمل إلى القاع فرأس بعلبك مروراً بالفاكهة واللبوة وعرسال وغيرها في أقاصي البقاع، لم يحفظ للمنطقة مكاناً على خريطة لبنان الإنمائية. ظلت الدولة وبعد 73 عاماً على الإستقلال أقرب إلى «خالتهم، زوجة الأب» منها إلى الأم الحاضنة.

ربما يجب أن يمر الحديث عن علاقة أيتام الوطن، أبناء البقاع الشمالي، بالدولة، بمشهد الرجل الثمانيني الذي كان يحمي ظهر الجندي اللبناني على الجهة الثانية من الطريق الدولية بين بعلبك وحمص بعد فاجعة الإنتحاريين الثمانية الذين فجروا فجر إثنين القاع وليله قبل خمسة ايام.

فالرجل، ابن الهرمل الذي كان يحمي ظهر الجندي، لم يعط فرحته لأحد. قبل ستين عاماً من اليوم كان أحد أشهر «طفار» المنطقة على خلفية ثأرية عشائرية. ها هو اليوم في خندق واحد مع العسكري الذي قضى عمره فاراً من وجهه.

ليس حلم أبناء البقاع الشمالي، وبعد ثلاثة وسبعين عاماً على استقلال لبنان أن تنتهي جلجلة عبورهم إلى الدولة وأن يعقدوا مصالحتهم مع الوطن من باب تكريس مفهوم «السلاح زينة الرجال». يحلم هؤلاء، ومن بينهم الرجل الثمانيني نفسه، أن تتزين صدورهم ببطاقة المواطنة الحقيقية بدل صف خرطوش البارودة «الألمانية» أو «الكلاشينكوف».

المواطنة التي تقول أنه لم يكن على البقاع الشمالي انتظار ما بعد عدوان تموز 2006 لتأتي «الهيئة الإيرانية لإعادة إعمار لبنان» وتعبد طريقه الوحيدة نحو بقية الوطن، برغم شوائب بانت في بعض مراحل التنفيذ وما بعده.

يجمع المتروكون في الهرمل والقاع ورأس بعلبك واللبوة وعرسال وغيرها، ومنذ 73 عاماً من الإستقلال، رسما بيانيا طويلا يرتّب موقعهم من الوطن. يبدأ من المدرسة الرسمية التي انتظرت القاع، على سبيل المثال لا الحصر، العام 2000 لتشهد بناءها بتمويل من الإتحاد الأوروبي مع مستوصف رسمي.

وعندما كان ابناء البقاع الشمالي يناضلون لنيل تعليمهم الأساسي في مدارس رسمية، كانوا يصطدمون بالجامعة اللبنانية المتمركزة ببضع كليات على بعد مئة كيلومتر من منطقتهم، وتحديداً في زحلة، فيما لم يصل إلى بيروت إلا «طويل الروح» ممن استطاع إلى ذلك سبيلا مغمساً بدم الكلفة التي يعجز معظم أبناء المنطقة عن تحملها. وعليه، نسي كثر حلم التعليم الجامعي ودفنوا كفاءاتهم مستسلمين لما توفر.

وإذا تخطى أبناء البقاع الشمالي مرحلة ما قبل الحرب وخلالها ليفتحوا صفحة جديدة مع جمهورية الطائف، فلن نجد في سجلاتهم تدنيا في نسب موت مرضاهم والمصابين بحوادث على أنواعها على طرق السعي لتلقي علاج فاعل في مستشفيات المدن والعاصمة. فتلك المنشآت الضخمة التي سميت مشافي جديدة ما بعد التسعينيات انتظرت طويلا نتائج التحاصص على مجالس إداراتها، وما زالت تنتظر تجهيزات حديثة تليق بحياة البشر!

وفي جمهورية ما بعد الطائف والوعد الرسمي للغرب بمكافحة زراعة المخدرات في المنطقة الموصومة بها منذ تشجييع زراعتها في الستينيات، والتغاضي عنها، كأحد المداخل الإقتصادية الرئيسية على مستوى البلاد، لم تقدم الدولة بديلاً ناجعاً لشتلة الحشيشة وجرس الأفيون اللذين واظبت قواها الأمنية على إتلافهما سنوياً، تاركة ناس الجرود للفقر المدقع وسط أراض شاسعة لا تصلها الطرق الزراعية وقنوات الري، عدا عن أعمدة الكهرباء، ولا يعرف مزارعوها الإرشاد الزراعي لمواسم أفضل، وطبعا التسويق.

ومن ضبط مخالفة السرعة إلى تهمة إطلاق النار وصولاً إلى سجلات ترويج المخدرات والإتجار بها وجنح وجنايات أخرى، تضخّم ملف المطلوبين في المنطقة ليبلغ عتبة الـ 35 الف مذكرة بحث وتحر وتوقيف جعلت للمنطقة عنواناً إضافياً: «دولة الطفار والخارجين على القانون». صفة تضاف إلى أرقام سجن روميه التي توثق احتلال أبناء البقاع الشمالي النسبة الأعلى بين الموقوفين والمحكومين.

أما «جحش الدولة» تلك الحافلة التي كانت تؤمن النقل لبعض المناطق بأسعار رمزية يمكنها أن تساهم على سبيل المثال لا الحصر، في تسهيل وصول الطلاب العاجزين عن السكن في زحلة أو بيروت، إلى الجامعات البعيدة، فلا يعرف ابناء البقاع الشمالي شكلها ولم تشعر طرقاتهم بدوران عجلاتها يوماً.

ويكمن التحدي الأكبر في تسمية مصنع أو مشروع واحد يؤمن فرصة عمل لأبنائها الذين ما إن يكملون الثامنة عشرة من العمر حتى ينزحون وراء العلم والعمل لتتسع بقدومهم أحزمة البؤس حول العاصمة. حتى الوظيفة العسكرية في مؤسسات الدولة الأمنية، جاءت من باب تأمين عسكر «زحاف» للنظام هنا، وإصلاح الخلل التمثيلي الطائفي في المؤسسات العسكرية هناك، فيما ما زال الضباط من ابناء الهرمل والقاع ورأس بعلبك وعرسال واللبوة يُعدّون على أصابع اليدين.

ويكفي تقصيرا أن يحاكي العابرون قرب نهر العاصي مياهه الغزيرة المهدورة نحو سوريا وتنكر دولتهم لمشروع سد العاصي وبحيرته اللذين كان لهما أن يغيرا وجه المنطقة الإنمائي والمناخي.

ولم يكن ينقص البقاع الشمالي إلا المسلحون والإرهاب وسياسة النعامة التي طبعت أداء الدولة الرسمي مع الأزمة السورية على قاعدة النأي بالنفس. هنا، وإن كانت عرسال، التي ما زالت مستباحة ومحتلة، الضحية الأولى قبل أن تستهدف القاع بثمانية انتحاريين وصلوها من الجرود المحتلة في سلسلة جبال لبنان الشرقية، إلا أن المنطقة كلها، من الهرمل إلى القاع ورأس بعلبك المحتلة جرودهما مع الفاكهة والعين وعرسال وبوابتها اللبوة، نالت حصتها من الأزمة السورية.

أتى الإرهاب بالدولة إلى البقاع الشمالي. قدوم لن يرضى أهلها أن يقتصر على المواكب والتشريفات والتصريحات الإعلامية والتعازي. للبقاع الشمالي، كما المناطق النائية المحرومة في لبنان، خريطة طريق واضحة المعالم والحاجات. خريطة على الدولة وقواها السياسية قراءة مفاتيحها جيداً في هذه المرحلة بالذات.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0