الرئيسية | بأقلامكم | التأليف المستعصي ينتظر تدخّل الخارج

التأليف المستعصي ينتظر تدخّل الخارج

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

نقولا ناصيف

أعطى الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة مهلة طويلة، بعيداً من التحاور مع الغالبية بعدما بلغا المأزق. وضعا شروطهما على الطاولة وراح كل منهما ينتظر امتثال الخصم. الأصحّ أن أياً منهما لا يتوقع التفاهم مع الآخر، وذهب في إجازة إلى أن يحين أوان تدخّل خارجي.

دعا المركز المدني للمبادرة الوطنية إلى محادثة حول «تكوين السلطة الإجرائية بين أحكام الدستور ووقائع السياسة»، قبل ظهر الاثنين المقبل، يُقدّم لها الرئيس حسين الحسيني والنائب فريد الخازن والوزير السابق خالد قباني والمحامي سليمان تقي الدين، يليها حوار.

منذ تكليف الرئيس نجيب ميقاتي في 25 كانون الثاني الماضي تزايد الجدل من حول التأليف، وقد أضحى أزمة دستورية بمقدار ما بدأ ـــــ ولا يزال ـــــ أزمة سياسية. لم تولد المشكلة مع ميقاتي، إلا أنها أصبحت أكثر استحقاقاً مع الأخذ في الحسبان تجربتي سلفيه الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري في حكومتي 2008 و2009 اللذين توسّلا آلية اتفاق الدوحة لتأليف حكومة جديدة. ثمّ أتى ميقاتي منذ الأيام الأولى للتكليف يجزم بأنه لن يؤلف حكومة إلا تبعاً لأحكام الدستور الذي يضع بين يديه ورئيس الجمهورية ميشال سليمان صلاحية التأليف ثمّ توقيع مرسوم إبصار الحكومة الجديدة النور. إلا أن ميقاتي ما لبث أن اصطدم بأعراف استحدثها اتفاق الدوحة عندما تحدّث عن حكومة وحدة وطنية، وعن حصص الشركاء الممثلين في الحكومة، وعن توزّع الأنصبة داخل مجلس الوزراء، كان قد التزمها السنيورة والحريري، ولم يُتح لهما من دونها تأليف حكومتيهما.

هكذا أصبح الرئيس المكلف اليوم بين أحد خيارين: أن يؤلف حكومة تلائم أعراف اتفاق الدوحة على غرار سلفيه، أو البقاء رئيساً مكلفاً إلى أمد غير محدّد بات يقيناً منذ الخميس الماضي، عندما خرج ميقاتي من اجتماعه ورئيس الجمهورية يقول إنه اتفق وإياه على تمديد مهلة التأليف. لم يضع سقفاً للمهلة الجديدة، تبصر الحكومة النور على أثرها، أو يرجّح اعتذاره عن عدم تأليف الحكومة، ومن غير أن يُشعر الطرف الآخر الذي يمثل الأكثرية النيابية بالضغط عليه لإرغامه على تقديم تنازلات، والذهاب معاً إلى تأليف حكومة انسجاماً مع الآلية التي نصّ عليها الدستور وتتناقض مع اتفاق الدوحة.

إلى الآن، أكثر من أي وقت مضى في تأليف حكومة لبنانية، تشابكت الخصومات السياسية المطبقة على التأليف لتحول دونه في أي حال:

1 ــ يلتزم رئيس الجمهورية الحذر، ويتفادى اتخاذ أي موقف من المهلة الممدّة للرئيس المكلف. في المقابل اكتفى بالنطاق المحدّد لدوره، وهو أنه يتوقف عند إنجاز استشارات التكليف وتسمية الرئيس المكلف، ثم يستعيده عندما يقدّم إليه الأخير مسوّدة تشكيلة حكومية يوافق عليها رئيس الجمهورية فيوقعها، أو يرفضها ويطلب من الرئيس المكلف تصويبها.

على نحو كهذا تصرّف سليمان في حمأة الأزمة الأخيرة، على أنه غير معني إلا عندما يزوره الرئيس المكلف لإطلاعه على المسوّدة. ولا يريد تالياً التدخّل في مشاورات التأليف التي يجريها ميقاتي. على طرف نقيض من هذا الموقف، يصرّ رئيس الجمهورية، انطلاقاً من صلاحية توقيع مرسوم التأليف، على أن يؤخذ في الحساب حصوله على حصة في الحكومة الجديدة انسجاماً مع عُرف نصّ عليه اتفاق الدوحة، ولم يحظّره من قبل اتفاق الطائف، وسارت حكومات ما قبل 2008 على تخصيص رئيس الدولة بمقاعد وزارية أهمّها نائب رئيس مجلس الوزراء، والتزم هذا العرف المتناقل السنيورة بتسمية ثلاثة وزراء لسليمان، ثم الحريري بتسمية خمسة وزراء له. يدعم ميقاتي وجهة نظر رئيس الجمهورية، إلا أنه يقف عاجزاً عن فرض حصة الرئيس على الغالبية النيابية، وخصوصاً الرئيس ميشال عون، وعاجزاً كذلك عن تجاهلها ما دام يعدّ رئيس الجمهورية ـــــ لا عون ـــــ شريكه الفعلي في مجلس الوزراء، ويتقاطع بعض صلاحياته الدستورية مع صلاحيات الرئيس في وضع جدول الأعمال، وتوجيه الدعوة، وإدراج بند استثنائي في الجدول، وترؤس الجلسة، وإصدار المراسيم، وطرح البنود على التصويت.

2 ـ يتعاطى ميقاتي مع التكليف على أنّه صلاحية غير مقيّدة بمهل، ولا بأعراف سابقة ما دام الدستور يقدّم عليه آلية غير ملتبسة للتأليف، وهي أنه هو مَن يضع مسوّدة التشكيلة ويوقّعها مع رئيس الجمهورية، تمهيداً لإصدار المراسيم. ولأن ميقاتي، لأول مرة منذ عام 2008، يتعمّد في مشاوراته مع الأفرقاء المعنيين تجاهل أعراف اتفاق الدوحة في توزيع الحصص والأنصبة، يتصرّف بلامبالاة حيال إصرار الغالبية النيابية على حصص يعتقد الرئيس المكلف بأنها تبالغ في تقديرها لحجمها السياسي. إلا أنه يريد لنفسه، في المقابل، الحصة الأكبر ممثلاً لطائفته (أربعة وزراء سنّة من ستة) لم يُعطَ مثيله أي فريق آخر: المقاعد الشيعية الستة يتقاسمها رئيس المجلس نبيه برّي وحزب الله والحزب السوري القومي الاجتماعي، والمقاعد المارونية الستة يوزّعها على رئيس الجمهورية (زائداً وزيراً يتقاطع بين سليمان وميقاتي) وعون والنائب سليمان فرنجية.

والواقع أن الرئيس المكلف لا يكتفي برفض أعراف اتفاق الدوحة، بل يؤسس لعرف أكثر حساسية هو أنّ التكليف لا يقترن بمرجعية تحدّد مُدده، ما دام الدستور لا يقيّده بها. ليس في وسع رئيس الجمهورية التدخّل مذ انتهى دوره عند تسمية الرئيس المكلف. ولا في وسع مجلس النواب استرداد التكليف ممّن فوّض إليه الأمر ما لم يعتذر الرئيس المكلف. ولا يستطيع رئيس الجمهورية، من دون آلية دستورية واضحة، الدعوة إلى استشارات نيابية جديدة ملزمة في ظلّ إصرار الرئيس المكلف ـــــ من دون أن يؤلف ـــــ على أنه متمسّك بتكليفه الذي يستمدّه من أحكام الدستور، ومثابر على إجراء مشاورات التأليف، ويلقي في الوقت نفسه تبعة عرقلة التأليف على الأفرقاء المعنيّين.

مذ أدمجت إصلاحات اتفاق الطائف في أحكام الدستور عام 1990، كانت آليتا التكليف والتأليف تسيران في الظاهر تبعاً لتلك الأحكام، وفي الباطن تخضعان لإرادة دمشق التي كانت تتحكّم بآلة الحكم في لبنان. يُكشف عن اسم الرئيس المكلف قبل أن تسمّيه الغالبية النيابية، ويذهب ثلثا الحكومة إلى دمشق أيضاً مع الأخذ في الحسبان مراعاة حصتي رئيسي الجمهورية والحكومة، لكن من غير أن تتنافرا مع الوزراء الآخرين حلفاء سوريا، وتصدر المراسيم من قصر بعبدا بعد أن تضع دمشق الحقائب الأكثر مدعاة لاهتمامها وضمان استقرار وجودها ودورها في لبنان في عهدة وزراء تطمئن إلى أدائهم.

رافق ذلك، من دون استثناء، حكومات الرؤساء عمر كرامي ورشيد الصلح ورفيق الحريري وسليم الحص (رغم أن حكومة 1998 ظهرت بمظهر الاختلاف بوزرائها وطريقة اختيارها عن حكومات السنوات التسع المنصرمة). في ظلّ سوريا ونفوذها المتداخل في الحكم، لم تكن ثمّة حاجة إلى مرجعية من ضمن الدستور ـــــ لم يكن الأخير قد لحظها في أي حال ـــــ لمعالجة العراقيل التي كانت تجبه مرحلتي التكليف والتأليف. لم يعتذر أي من الرؤساء المكلفين عن عدم تأليف الحكومة بسبب إخفاقه فيه، ولم يجبه عراقيل في طريق التأليف في توزيع المقاعد والحقائب.

وبعد انحسار النفوذ السوري في لبنان على أثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم ينجُ تأليف حكومتي ميقاتي والسنيورة من تدخّل خارجي حافظ على آليتي التكليف والتأليف، بيد أنه انطوى على إيصال حكومتين متتاليتين بكفالة باريس وواشنطن. كانت تلك حال تسمية ميقاتي رئيساً للحكومة لأول مرة عام 2005، وحال دعم غير مشروط لترؤس السنيورة الحكومة التي خلفتها سنتذاك ومن ثم تأليف حكومة تحظى قوى 14 آذار بغالبية ثلثيها. حينذاك رفضت قوى 14 آذار إعادة توزير الوزير شارل رزق بصفته ممثلاً للرئيس إميل لحود في حكومة السنيورة، مؤيدة بتشجيع السفير الأميركي جيفري فلتمان، إلى أن تدخّل السفير الفرنسي برنار إيمييه وكفل في مكالمة هاتفية أجراها بنظيره الأميركي رزق عاملاً إيجابياً في مسار بناء سلطة إجرائية جديدة في لبنان تريد التخلّص من نفوذ سوريا عليها. على مرّ أكثر من عقد ونصف عقد من الزمن من تأليف حكومات ما بعد اتفاق الطائف، كان التدخّل الخارجي بشقّيه السوري، ثم الأميركي ـــــ الفرنسي، ثم مجدّداً تداخل النفوذين معاً في مرحلة ما بعد اتفاق الدوحة يمثل مرجعية تذليل العراقيل من طريق التأليف.

ذاك ما يقتضي أن ينتظره الرئيس المكلف الحالي.

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0