الرئيسية | بأقلامكم | فرنسا والتغريد خارج التاريخ

فرنسا والتغريد خارج التاريخ

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

مصطفى العويك*

مرة اخرى تعود مسألة ظهور المنقبات في المجتمعات الغربية الى الواجهة، في محاولة من السياسيين الاوروبيين لتضييق الخناق على المسلمات داخل المجتمعات المتنوعة عرقيا وثقافيا ودينياً، بهدف عزلهم للقول للرأي العام بأن الاسلام هو دين المنعزلين عن الناس والرافضين للآخر ورأيه وطرحاته، وهذا بحد ذاته تغريد خارج السرب العملاني لنظرية حوار الحضارات التي يزعم الغرب انه يتبناها، اذ ان تطبيق هذه النظرية يحتاج في بعض الاماكن الى قوانين لجعلها واقعة ثابتة تعزز الانصهار الوطني للمجنسين مع اصحاب الارض، وليس الى قوانين تعيد اثارتها بطريقة مغلوطة لتشويه سمعة الدين الاسلامي واتهام اتباعه بالتخلف وما شابه، في الوقت الذي يكون فيه استخدام التشريعات والانظمة ضد التلاقي الانساني بحد ذاته مدخلا اساسياً الى القرون الوسطى وبالتالي الى الرجعية وسياسة الالغاء وهذا بالفعل ما ينطبق على قانون حظر النقاب الذي طبق في فرنسا مؤخرا وكان قد طبق قبل ذلك في احدى المناطق الالمانية، وفي بلجيكا بشكل جذري، بغض النظر عن شرعية النقاب في الاسلام من عدمها.

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو التالي: هل تشكل المنقبات في فرنسا واللواتي لا يزيد عددهن عن 2000 امرأة منقبة من اصل نحو 64 مليون مواطن فرنسي، خطرا كبيراً على مجتمع يدعي انه قائم على الحرية بشتى انواعها؟

يوما بعد يوم تسقط فرنسا في فخ تنصبه لغيرها، فكلما اراد رئيس الجمهورية الفرنسية اياً يكن اسمه، خاصة من اهل اليمين الفرنسي، كلما اراد استعادة شعبية فقدها نتيجة لخياراته غير الصائبة يتوجه مباشرة نحو الاسلام والمسلمين ليستثمر فيه لمصلحته الشخصية ومصلحة حزبه، وهو استثمار في غير محله لانه مخالف لتاريخ فرنسا والقوانين والمبادئ التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية الراهنة، وهذا ما اكده رئيس الحكومة الأسبق لوران فابيوس في اول تعليق له على القرار، بقوله ان موقف ساركوزي "لايتوافق مع اسس القوانين الفرنسية"، بينما أعلن الشيوعي بيار لوران أن القرار الرئاسي «يستهين بالرأي الذي عبر عنه مجلس شورى الدولة» الذي أفتى سابقاً بأنه «لا أساس دستوريا لمنع مطلق» لارتداء البرقع على الأراضي الفرنسية، بينما بالإمكان إصدار قانون أو ترتيبات تمنعه في المكاتب العامة والأماكن الحساسة (المدارس، البنوك، المحطات، الإدارات الرسمية...)

وفي الاصل هذا القانون جاء بعد "الاستدارة الساركوزية"، غير الموفقة نحو خطاب اكثر تعصبا ويمينية "في موضوع أمن الضواحي والهجرة، وهي الموضوعات التي ضمنت له الفوز في الانتخابات الرئاسية الماضية"، وهو قد جاء ليكمل ما نشره ساركوزي نفسه في مقال له منذ سنة في احدى الصحف الفرنسية عن مشكلة المهاجرين والغريبين الذين يأتون الى فرنسا من ثقافة مخالفة وهي ادنى بكثير من ثقافة الفرنسيين وغريبة عنهم.

لا تستطيع فرنسا عرابة الحرية والديمقراطية ان تخرج من لباسها الانساني على مدى قرون من الزمن وتمنع شريحة اساسية من مواطنيها من ان ترتدي الزي الذي تريد، وتاكل الطعام الذي تفضل تحت اي ذريعة من الذرائع، لانها بذلك تسيء الى تاريخها المشرف والحاضن لكل القوميات والاديان.

في الوقت ذاته يبرهن هذا "القرار الساركوزي" وجود عقدة لدى اليمين الفرنسي اسمها الاسلام، ذاك الدين الذي ينتشر في اوروبا بشكل رهيب وقد اكدت بعض الاحصاءات انه في بريطانيا وحدها يعتنق الدين الاسلامي سنويا اكثر من خمسة آلاف بريطاني، وهذا بالفعل ما يخيف الاوروبيين اي اسلمة المجتمعات الغربية، الامر الذي سيجعلهم في واقع لا يحسدون عليه بتاتاً.

ان قراءة تداعيات واسباب اصدار هذا القرار لا يجب ان ينظر اليها على حدى بل من نافذة الحوار الانساني، لان هكذا تدبير هو بمثابة صفعة قوية لمبدأ الحرية الانسانية التي يجاهر فيها ويحاضر عنها كبار المفكرين الفرنسيين، وهو مادة نقاشية جوهرية يستطيع الفرد من خلالها تحليل النظرة الفرنسية للفرنسي المسلم وللمسلمين بشكل عام.

ان مبدأ حوار الحضارات والعمل لاجل تكريسه، لا يمكن ان يكتب له الحياة اذا ظل البعض مصراً على وصف الاسلام تارة بالارهاب واخرى بالتخلف، بالتالي فان اي حديث عن حوار بين الاديان يبقى فارغاً من اي معنى ان لم يقترن بقوانين تؤكد عليه لا تعرقل مسيرته.

اعلامي وحقوقي

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0