الرئيسية | بأقلامكم | المسيحيون مربكون ومنقسمون في مقاربة أحداث سوريا

المسيحيون مربكون ومنقسمون في مقاربة أحداث سوريا

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

دنيز عطاالله حداد

هي سوريا. في حلها وترحالها تبقى بالنسبة الى اللبنانيين محوراً من محاور خلافاتهم الداخلية. ليست سوريا «خارجاً» بالنسبة الى السياسة اللبنانية. هي في داخل الداخل. حولها ينقسم اللبنانيون. أما المسيحيون من بينهم فلهم مع سوريا تاريخ طويل من العلاقات المعقدة، يغلب عليها انعدام الثقة، في ألطف تعبير. فطالما سكن «الوجدان المسيحي» عداء مبطن لسوريا يستند إلى الخوف على «الكيان» في مواجهة دولة «وحدوية» النزعة، لا تميل، بحسب اعتقاد بعضهم، «الى الإقرار الضمني بكل الكيانات التي سلخت عن سوريا التاريخية».

لكن محطات الخلاف والحذر المتبادلين لا تنفي تلاقيا وحتى «تحالفا» في محطات كثيرة اخرى. وعلى خلفية الاقتتال الداخلي وصراع الأحجام والأدوار منذ بدء الحروب الأهلية اللبنانية، انقسم المسيحيون ايضا في نظرتهم الى سوريا ودورها كما بطبيعة علاقتهم بها.

لذا يتابع المسيحيون بدقة كل ما يجري في سوريا اليوم. وكعادتهم، تتعدد مقاربتهم وقراءتهم ومواقفهم. يجمعهم خوف مضمر من خواتيم الأمور، أيّا تكن مصائرها. فالمسيحيون اللبنانيون الذين جعلوا الحرية أيقونة تمايزهم، يخافون مما ستحمله حرية الشعوب العربية عموما، والشعب السوري خصوصا، الى الحكم والسلطة. يسألون أسئلة صعبة ومعقدة تزيد من ضياعهم وإرباكهم.

في الشكل ينقسمون الى معسكرين. في المقلب الاول يتابع مسيحيو «14 آذار» ما يجري في سوريا بفرح مضمر لا يجاهرون به. يستعيرون مفردات منمقة في التصريح تبدأ من «ربيع دمشق» ولا تنتهي بـ«أفول عهد الديكتاتوريات في المنطقة» و«حق الشعوب بالعيش بحرية وكرامة، وسوريا ليست استثناء».

في المقلب الثاني، يراقب المسيحيون القريبون من دمشق كل التطورات بحذر. وبعد إرباك الايام الاولى، يرددون اليوم شعارات عن «حصانة النظام» و«المؤامرة التي تستهدفه». يتحدثون «عن الإجراءات الجدية لمعالجة التطورات» ويستفيضون في تحليل «مدى تدخل أطراف لبنانيين، بإيعازات خارجية، في أحداث سوريا».

لكن ما يجمع الفريقين، ولو على حسابات وخلفيات مختلفة، قلق وخوف كبيران، يكابران في الإقرار بهما في العلن.

يفتقر المسيحيون، ويفتقدون اليوم «منظرين» كباراً يجتهدون ويختلفون ويستنبطون الصيغ والمقاربات لأوضاع المنطقة وشعوبها. أو يرسمون سياسات محددة للمسيحيين ولموقعهم ودورهم في هذه المرحلة.

ومع ذلك يحاول البعض في الحلقات الضيقة الاجتهاد. مسيحيو «14 آذار» يرون «أن أي تغيير في سوريا سينعكس إيجابا على الواقع اللبناني. فربيع دمشق لا بد أن يتزامن مع ربيع للبنان. وان تغيير النظام في سوريا سيتيح هامشا أكبر لاستقلال لبنان وقيام الدولة فيه. سوف يتوقف تلقائيا دعم كل سلاح غير شرعي سواء كان لـ«حزب الله» أو لفصائل فلسطينية معينة». هؤلاء يعتبرون انه «سواء نجحت انتفاضة الشعب السوري في تغيير النظام أو استسلامه لمطالب شعبه ودخوله في تسوية تبدأ من تلبية المطالب الداخلية وتنتهي في فك الارتباط مع ايران، فإن ذلك يحتسب في خانة المصلحة اللبنانية».

يعتبر بعض «مسيحيي 14 آذار» ان «زمن تحالف الاقليات في المنطقة والعالم قد ولى. هي صفحة طويت بعد أن ثبت فشلها في تأمين الاستقرار. وان أنظمة الاستبداد التي أمنت حماية مصطنعة وأدوارا واهية للاقليات، ستسقط أمام انحياز العالم للديموقراطية حيث تحكم الاكثرية وتشارك الاقلية بحسب حجمها وكفاءات أفرادها».

لا يتوقف هؤلاء كثيرا عند طبيعة النظام البديل، ولا حتى عند بعض المطالب الآنية للمحتجين والمتظاهرين. على عكس «مسيحيي 8 آذار». فوراء الابواب المغلقة هناك من يناقش ويتابع بين الترقب المقلق والسخرية السوداء. ويتساءل أحد القياديين في «التيار الوطني الحر» عما اذا «كان مطلب عودة المنقبات الى التدريس هو المرجو من ربيع دمشق وبيروت وهو الهدف من التغيير ومجاراة العصر».

لكن في ما يتجاوز السخرية التفصيلية يعتبر هذا الفريق من المسيحيين «ان النظام السوري ليس أفضل الأنظمة. له عيوبه ومساوئه. لكننا لا يمكن أن ننكر انه يسعى جاهدا الى التزام العلمانية. وان أوضاع المسيحيين في سوريا جيدة جدا. ونحن لسنا معنيين كلبنانيين بملاحظات السوريين على نظامهم وكيفية تطويره. ما يعنينا تعاطي هذا النظام مع لبنان. وان ملاحظاتنا تراجعت الى الحد الادنى بعد خروج الجيش السوري من الاراضي اللبنانية. ولا نظن أن من مصلحة لبنان ولا مسيحييه، ولا حتى العالم العربي أن يمسك المتطرفون الاسلاميون بزمام الحكم في سوريا. ونحن اليوم لا نرى نماذج ديموقراطية تطرح بدائل للنظام إلا من هذا المنظار. وان عددا كبيرا من المثقفين السوريين المعترضين على النظام القائم لا يريدون قلب النظام، بل تطويره وتحسينه». ويرى «مسيحيو 8 آذار» ان «المنطقة العربية عموما ليست مهيأة لتغيير ديموقراطي حقيقي يجعل هذا الجزء من العالم يخلق دينامية تغييرية تحاكي تطلعات شبابه ورغبتهم بالانخراط في العصر بكل مفاهيم الحداثة والديموقراطية، وسوريا لا تشذ عن ذلك».

ويسجل هؤلاء «تخوفا حقيقيا من أن تكون قد بلغت الخفة في بعض اللبنانيين أن يسهموا، بطريقة أو بأخرى في الأحداث الجارية في دمشق. فهذا قد ينعكس سلبا على لبنان عموما وليس على فريق واحد».

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0