الرئيسية | بأقلامكم | عَجيب غَريب!

عَجيب غَريب!

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

مازن حايك

ينشأ اللبناني في بيئة تغيب عنها "ثقافة المُحاسَبة" في العام والخاص، ويكبر في ظل غياب "ثقافة العمل" وأبسط أُسس بناء الأوطان. منذ النشأة، يعيش بعضهم هاجس الحصول على جنسيّة مزدوجة للأبناء والأحفاد لضمان المستقبل، مع الحرص على تعلُّم اللغات المتعدّدة منذ الصِغَر و"إثراء" لغتنا الأم بمُفرداتها إلى درجة فقدانها. الهجرة القسرية أو الإختيارية تبقى دائماً في البال، خصوصا أن احتكار السلاح ليس بيد الدولة، وقرار الحرب والسلم يُغرّد خارج مؤسساتها والحدود، والجزر الأمنيّة مزدهرة، والإغتيالات السياسية لم تنلْ عقابها العادل بعد، والإقتصاد المُنتِج في إجازة، والوظائف التنافُسيّة ليست في متناول اليد، والفراغ في سدّة المسؤولية على أشدّه. ثم تأتيك المقولة الشهيرة بضرورة "العمل في الخارج والصرف في الداخل"، وكأن البلد لا يصلح للعمل والإنتاج، بل أصبح "مركزاً للمصروف لا المدخول"، ومساحة عقاريّة لتصدير شابّات وشبان إلى الخارج، على أمل عودتهم سالمين ومَيسورين، حائزين نعمة استحقاق الجنسية المزدوجة. أضِف إلى ذلك، تلك النزعة المُتمادية لدى فريق من اللبنانيين للإستئثار بالمَصالح الإقتصادية والإنمائية والعقارية "الثمينة" في البلد، مع ما يترافق من إهدار وصفقات وتراكم الثروات لديهم، وتَفاقُم الديون والضرائب لدى غيرهم، وذلك بإسم "النمو الإقتصادي" حيناً، ومستلزَمات "مواجهة السلاح غير الشرعي" أحياناً.

وفي موازاة ذلك، يتشرّب بعضهم الآخَر "ثقافة السلاح" والإستقواء والإستعلاء، فيجنح نحو نزوة "الحكم الذاتي" والمربّعات الأمنيّة وسياسة المَحاوِر الإقليميّة، ساعياً تارةً لمواجهة الأسرة الدولية وقراراتها وعدالتها، ومستمراً طوراً بتحدّي منطق الدولة ومؤسساتها وقوانينها، أكان ذلك مباشرةً بإسم "مقاومة العدو" أم مُداورةً بفضل "المال النظيف" و"العصمة عن الخطأ" ومفاعيل السلاح الظاهرة جليّاً في مَفاصِل الحياة اليومية.

وعلى الضفّتيْن، وفيما يَعتبِر كل واحد منهم نفسه "صاحب حق وسلطان"، يتراكم الديْن يوماً بعد يوم "لِوَلَد الوَلَد"، وتزداد الأكلاف والضرائب على المواطنين، وتطفو على الواجهة حفنة من المستفيدين من الطَرَفيْن، جُلَّهم من المُتنفِّذين، جامعهم المُشترَك "ثقافة الإستئثار" والاهدار والفساد والصفقات والإثراء غير المشروع، وتَقاسُم البلد مذاهب وحصصاً ومصالح ومحميّات ومحسوبيّات.. ولا مَن يَسألون، ولا مَن يُحاسِبون! وفي الوقت الضائع، يبقى همّ اللبناني السلامة ومورِد الرزق والخبز اليومي وتعليم الأولاد - قبل تصديرهم إلى الخارج- وتأمين الماء والكهرباء وغيرها من الخدمات التي أصبحت مِثل حالة البلد: خافِتَة النور ومُنقطعة الوَتيرة وغالية الثمن. أما الشعور بالفقر والقهر والعجز وغياب الأفق وضياع الفرص والفراغ في حسّ المسؤولية، فحدِّث ولا حَرَج.

فعلاً، بلد عَجيب غَريب.. ومُعيب!

أضف إلى: | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0